سوريا ما بعد الأسد: هل يتحول الخوف من السلطة إلى خوف من الآخر؟


هذا الخبر بعنوان "الخوفُ السّوري لا يحتاج إلى أسد" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد عقود من الخوف من السلطة المتمثلة في وجود الأسد، قد يجد السوريون أنفسهم الآن في مواجهة خوف جديد من بعضهم البعض. هذه ليست مجرد نبوءة سوداوية، بل قراءة للمشهد السوري المتغير بسرعة، حيث تبرز مفارقات تعكس تحولات عميقة. في غضون يومين فقط، شهدنا تصريحات لحكمت الهجري تربط بين الدروز وإسرائيل، بينما كان مظلوم عبدي يعلن في دمشق انتهاء دور قوات سوريا الديمقراطية كقوة مستقلة واندماج الإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة السورية، واجتماعه بالرئيس السوري أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني.
المفارقة لا تكمن فقط في موقف الهجري مقابل قرار عبدي، بل في سؤال أعمق: ماذا يفعل السوريون المختلفون بعد سقوط الدولة التي كانت تجمعهم بالخوف؟ في عهد الأسد، كان الخوف من السلطة هو الخوف المهيمن، حيث احتكر النظام تعريف الوطن والهوية وتحديد الوطني والخائن. ومع سقوط الأسد، لم تسقط هذه التصنيفات بل سقط المركز الذي كان يستخدمها. لذا، فإن الخطر القادم قد لا يكون عودة النظام القديم أو حرباً أهلية بالمعنى التقليدي، بل مجتمع يصبح فيه الخوف موجهاً من مكون لآخر.
في هذا السياق، تصبح تصريحات الهجري أكثر من مجرد موقف سياسي. عندما يقول رجل دين إن جماعته جزء من إسرائيل، فهو لا يعلن قطيعة مع دمشق فحسب، بل يقدم نموذجاً خطيراً لسياسة ما بعد الدولة الأمنية، حيث تتحول الجماعة إلى وطن مصغر، والخارج يصبح ضمانة للداخل، والحماية تتحول من حق للمواطن إلى امتياز لجماعة تبحث عن قوة.
على النقيض، يمثل مشهد مظلوم عبدي احتمالاً مختلفاً. قائد قوة عسكرية وسياسية ذات إدارة ومؤسسات وأرض واسعة وعلاقات دولية، يعلن حل القوة والاندماج في مؤسسات الدولة، ويظهر في قصر الشعب إلى جانب الشرع والشيباني. نهاية قسد لم تعنِ نهاية القضية الكردية في السياسة السورية، بل انتقالها من السلاح إلى المؤسسات، مع مقترحات لدور لمظلوم عبدي كمستشار رئاسي ودخول إلهام أحمد مجلس الشعب، ومعالجة الملفات الكردية داخل مؤسسات الدولة.
تقف سوريا أمام مسارين متناقضين لتسوية سؤال الجماعات: المسار الأول يرى أن ضمانة الجماعة تكمن في قوتها الخاصة وحمايتها الخارجية. والمسار الثاني يرى أن الضمانة هي الاندماج في الدولة وانتزاع الحقوق من داخل مؤسساتها. لا يعني اندماج قسد حل القضية الكردية بالكامل، ولا أن الدولة السورية أصبحت دولة مواطنين مكتملة، ولا أن تجربة السويداء يمكن اختصارها في موقف الهجري. لكنه يكشف عن المعركة السياسية المقبلة: هل ستصبح سوريا دولة يتمكن فيها الكردي والدرزي والعلوي والمسيحي والسني من طلب حقوقهم كمواطنين، أم ستعود كل جماعة للبحث عن جيشها وحاميها ومرجعيتها الخارجية؟
هنا يبرز لبنان كنموذج تحذيري. بدأت الطوائف فيه تبحث عن ضمانات، ثم تحولت إلى زعامات ومؤسسات موازية، وصار لكل جماعة تاريخها وخوفها وذاكرتها وسلاحها. لم يصبح لبنان طائفياً لأنه اكتشف تنوع مواطنيه، بل لأنه أقنعهم بأن حقوقهم لا تضمن إلا بقوة طوائفهم. وهذا ما يجب أن تخشاه سوريا أكثر: الانتقال من دولة تقول للسوريين
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة