بيروت: جروح الماضي وندوب الحاضر في فراغات المدينة الناطقة


هذا الخبر بعنوان "بيروت وفراغاتها المليئة" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ ست سنوات، وبعد تفجير بيروت المروع، استيقظ في داخلي إحساس عميق بالانتماء لمدينتي، بيروت، التي أعرفها جيدًا بكل تفاصيلها، من أبنيتها العتيقة والحديثة، إلى رائحة الصنوبر والكينا التي لا تزال تفوح في أزقتها، وجمال زهور البوغانفيليا والدفلى. لكن أكثر ما يميزها هو تلك الجروح التي تحولت إلى ندوب على مر الزمن.
دخلتُ أحد بيوتها القديمة كزائرة، ثم أصبح قضاء الوقت فيه جزءًا من يومياتي. هناك، أجلس مع نفسي وأتأمل ما تركته السنوات في الحجر وفي حمضي النووي. أدرك أنني لا أتنقل بين طوابق المنزل المرئية فحسب، بل أراقب لغة جسد غير مرئي نجا من موت محتوم. إنها حالة من اكتمال النقص، أو العكس، ففي لعبة التماري هذه، لا فرق بين الحالتين.
الترميم الذي أُجري للمنزل، رغم دقته، لم يستطع محو آثار الحرائق والرصاص. هو أشبه بمصاب حرب، لُف بالضمادات، ويعرف أن عودته لما كان عليه مستحيلة، وأن وقوفه أمر واقع وليس ترفًا. في هذا البقاء شيء من صراحة فجة، فحواها أن التجميل لا يلغي العطب النفسي.
ما يستوقفني هو الفراغ، كمحصلة لصراع طويل بين طاقات عنف شكّلت المكان. فالجدران المنهارة والشقوق التي كانت تُستخدم للقنص، أصبحت اليوم تُدخل الضوء والهواء، وتُنبت فيها الأعشاب، مشيرة إلى حياة ما زالت ممكنة في معبر الموت هذا. يلفتني التحول في وظيفة الفتحة، وكيف أن العين التي كانت تتحسس الخطر، تنظر الآن إلى حركة الشارع الاعتيادية. والمتراس الذي كان يفصل الداخل عن الخارج، بات يدعو المارّة إليه.
لهذا أفكر في الفراغ كمادة بصرية ممتلئة، لا تنتظر أن تُسدّ، بل تقدم عمقها وما خلفه من ظلال، كفرصة للتفكر في الأحداث التي سببتها ونتائجها. الفراغ يمكن أن يكون إطارًا لمشهدية كاملة من الماضي والحاضر، كهلالين مفتوحين على ما بينهما.
أعيد تركيب الطبقات المكشوفة: طلاء فوق لون، إسمنت فوق حجر، وآثار ذخائر. طبقات تظهر لي قريبة من تشريح الإنسان: جلد، لحم، عظم، ثم روح. المنازل تشبه الأشخاص، لا سيما قاطنيها. فبينما توحي الواجهة بانطباع معين، يبقى ما وراءها يروي الحكاية الأصل، وما ينقصنا ليس المزيد من الطلاء.
بيروت مدينة تعكس ذاكرتها المحملة بالمآسي وترومات ناسها. هي مبنية من طبقات درامية مكبوسة: حروب، اجتياحات، اغتيالات، هجرات، أزمات مالية، وإعادة إعمار لا تنتهي. وبين طبقة وأخرى، تعلق علامات الاستفهام. لبنان، الذي أتقن صناعة الثقافة والصحافة والنشر، أنتج مسرحيات وأغاني وطنية وقصصًا وروايات وصحفًا ومجلات، قد طوى صفحات مجده دون أن يصوغ كتاب تاريخ موحدًا لأجيال ما بعد الحرب الأهلية.
العاصمة التي احتملت تعدد الأحزاب والأصوات، وسقطت في كتابة سردية تاريخية جامعة. لكل وسيلة إعلامية روايتها، ولكل حزب شهداؤه وخساراته، ولكل جيل لغته في تفسير ما حدث. حتى الثورة، بكل ما حملته من حُسن نية، تعثرت قبل أن تجد خلفية لتلاقي الذاكرات القديمة بالجديدة.
لهذا تمامًا تبدو لي الفجوات المبعثرة في أبنية البلد تذكيرًا مُلحًا بما تركناه مفتوحًا: مساحة لم نعرف كيف نشغلها. والفراغ في الذاكرة قد يكون مفيدًا فقط إذا استقبل، قبل أي شيء، اعترافًا بما نحن عليه حقيقةً.
ثقافة
سياسة
ثقافة
ثقافة