45 عاماً من الانتظار: قصة اختفاء صياد سمك في لبنان لم تُعرف نهايتها


هذا الخبر بعنوان "ذهب ليبيع السمك ولم يعد... 45 عاماً من الانتظار" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
ترفض فردوس، ابنة المفقود نزيه الآغا المعروف بـ"رياض"، الاعتراف بوفاة والدها الذي اختفى في ظروف غامضة عام 1982. تقول: "البعض يترحم على والدي باعتبار أن الرحمة تجوز للأحياء كما الأموات، أما أنا فما زلت أنتظر أن يدخل منزلنا ويناديني".
بدأت قصة رياض في أزقة حارة صيدا القديمة، حيث نشأ في ظروف قاسية. كان اسمه على الهوية نزيه، لكن اسمه الاجتماعي كان "رياض". في صيف عام 1982، اختفى نزيه – رياض الآغا، واختفت معه أحلامه. قصته ليست سوى واحدة من مئات قصص المخطوفين والمفقودين في لبنان، الذين ما زالت عائلاتهم تنتظر خبراً أو معلومة.
لم تكن حياة رياض سهلة منذ بداياتها؛ تيتم في التاسعة من عمره، وعمل في سن مبكرة لتأمين لقمة عيشه. أحب البحر وغاص في أعماقه، وما زال أهل صيدا يتذكرونه بعبارة: "كان يجيب السمكة من تمّ الأسد"، في تعبير عن شجاعته ومهارته في صيد السمك.
مضت 45 عاماً على آخر رحلة صيد له، حين ذهب ليسلّم السمك إلى زبون في منطقة عبرا، واختفى هو ودراجته النارية الحمراء التي كان يحمل عليها غلّته. اشتهر بدرّاجته النارية الحمراء التي كان يقودها حاملاً رزقته معه.
تتأثر فردوس عندما تسمع كلمات جميلة عن والدها، وتفخر بأنها ابنته. تتشابه ملامحها معه، وتتمسك بصورته التي تضمّها إلى صدرها، وتقول: "45 سنة مرّت، وبعدو بييّ بينذكر بكلمات حلوة... هيدي نعمة".
على رصيف صيدا البحري، حيث قضى والدها نصف عمره، تعترف: "هنا قضى والدي نصف عمره، كان عاشقاً للبحر. أتساءل أحياناً: هل البحر غدّار لأنه أخذ والدي مني في رحلة استرزاقه؟". لدى فردوس مشاعر مختلطة تجاه البحر؛ تحبّه بمحبة والدها، وتهابه في الوقت نفسه لأنه يذكّرها بفقدان أغلى شخص في حياتها.
لم تكن فردوس قد تجاوزت الثالثة من عمرها عندما فُقد أثر والدها. تحفظ ملامحه من الصور وأحاديث الأقارب، فيما لا يزال جزء منها ينتظر عودته.
عمل رياض في البحر طوال حياته، كان غطاساً ماهراً وصياداً شجاعاً. لم يكن ينتمي إلى أي حزب أو مجموعة مسلّحة خلال الحرب اللبنانية، وكان همه الوحيد تأمين لقمة عيش عائلته المكونة من زوجته وأطفاله الخمسة.
كان رياض يحب الحياة، كريماً وشجاعاً، ويحلم بشيء واحد: "شراء منزل جديد وحياة كريمة لعائلته". كان يعمل ليلاً ونهاراً لتحقيق حلمه. عندما اتصل به أحد زبائنه في منطقة عبرا، حمل غلّته وتوجه إليه... ولم يعد. لم يعرف أحد ماذا حلّ به.
آخر ما سمعته زوجته جميلة من الرجل الذي كان رياض متوجهاً إليه لبيع السمك كان: "الموضوع مش عندي". عبارة بقيت عالقة في ذاكرة العائلة.
منذ اختفائه عام 1982، بدأت زوجته جميلة رحلة بحث مضنية، دفعت المال أملاً في الحصول على أي خبر يقود إليها، لكن كل المحاولات انتهت من دون نتيجة. "لا أثر لوالدي في أي مكان"، وفق فردوس. تعيش العائلة على وقع أي خبر جديد، حتى إن اكتشاف مقابر جماعية يتحول بالنسبة إليها إلى خيط محتمل قد يقود إلى الحقيقة.
ترفض فردوس الاعتراف بموته. تقول: "لم نستلم رفاته ولا أي شيء منه، لا يمكنني أن أعلن موته ونحن نجهل مصيره". وبعد 45 عاماً، ما زالت فردوس، كما عائلتها، تنتظر عودة والدها.
تحاول فردوس أن تتمالك نفسها، لكنها سرعان ما تبكي بحرقة قلب طفلة انتظرت والدها عمراً. تصرّ على زيارة الأماكن التي اعتاد ارتيادها في حياته اليومية: البحر، المقهى، وأحياء صيدا القديمة. كل مكان يعيد إليها شيئاً من ذكرياته، وكأن جزءاً منه ما زال عالقاً هناك منذ 45 عاماً.
تخاف أن يصبح اسمه، مع مرور الزمن، طيّ النسيان، لذلك تتمسّك بإبقاء قضيته حيّة، علّها تنجح يوماً في معرفة خبر عنه. وربما لهذا السبب سمّت ابنها "رياض"، ليبقى الاسم حاضراً في المنزل، وكأنها تحاول، بهذه الطريقة، استحضار والدها الغائب ولو لفظياً.
منوعات
منوعات
اقتصاد
سياسة