اتفاق دمشق وقسد: إعادة تشكيل القوى وتداعيات إقليمية جديدة


هذا الخبر بعنوان "اتفاق دمشق ـ قسد: إعادة رسم خريطة القوى في المنطقة" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
قد يمثل إعلان مظلوم عبدي في 25 الجاري عن حل "قوات سوريا الديمقراطية" واندماجها في مؤسسات الدولة السورية أكثر من مجرد تسوية بين دمشق والأكراد. إذا اكتمل تنفيذ هذه الخطوة، فإنها ستنهي وجود واحدة من أكبر القوى العسكرية المستقلة عن الحكومة المركزية، وتعيد إلى دمشق السيطرة على مساحة واسعة وموارد ومؤسسات كانت خارج سلطتها. من هنا، تبرز فرضية أن الاتفاق لا يقتصر على إعادة ترتيب العلاقة بين دمشق والأكراد، بل يساهم في إعادة رسم موازين القوى داخل سوريا وخارجها. هذا التطور يأتي في سياق الأحداث الأخيرة في سوريا والمنطقة. فقبل يوم واحد من الإعلان، رُفع اسم سوريا عن قائمة "الدول الراعية للإرهاب" التي أدرجتها الولايات المتحدة في عهد حافظ الأسد عام 1979. ولا تزال أصداء القصف الإسرائيلي لمطار أبو الظهور السوري، وما تلاه من اشتباك سياسي بين تركيا وإسرائيل، تثير مخاوف من تحول الأمر إلى صراع مسلح على الأراضي السورية. وفي هذا السياق أيضاً، تأتي الإعلانات عن اتصالات متكررة بين رئيس جهاز الموساد ووزير الخارجية السوري، ولقاء الطرفين في الأردن. ويصعب فهم إعلان دمشق لاحقاً عن عودة المفاوضات مع إسرائيل إلا في إطار تخوفها من انفجار التوتر التركي الإسرائيلي عسكرياً ومحاولة تفاديه. لا شك في الأهمية الاستراتيجية الكبيرة للاتفاق بالنسبة للسلطة السورية وترسيخ دعائمها، على الرغم من المخاطر المحيطة بتنفيذه في ظل الصراع الإقليمي المحتدم حول سوريا، وخصوصاً الصراع التركي الإسرائيلي بعد تلاشي النفوذ الإيراني فيها. وفقاً للإعلام الإسرائيلي، يمثل الاتفاق نجاحاً تركياً كبيراً "من دون طلقة رصاص واحدة". فقد نقلت وكالة الأنباء الإسرائيلية الناطقة بالروسية "كيرسر" في 27 الجاري عن صحيفة "معاريف" مقتطفات من نص بعنوان "من دون إطلاق رصاصة واحدة: نجاح كبير لأردوغان في سوريا". ورأت "معاريف" أن الرئيس التركي قد حصل على أفضلية سياسية مهمة في مسألة تشكيل واقع إقليمي جديد في الشرق الأوسط. في الأيام الأخيرة، تتطور في سوريا عملية واسعة النطاق، حيث وافقت القوات الكردية، تحت ضغط السلطات السورية المدعومة من تركيا، ونتيجة للجهود الدبلوماسية، على حل تشكيلاتها المسلحة ودمج مقاتليها في وحدات الجيش السوري الرسمي. وتضيف الصحيفة أن ما يحدث في سوريا يصفه الإسرائيليون بأنه هزيمة استراتيجية. ويرى ممثلو المنظومة الأمنية والأوساط الأكاديمية أن غياب استراتيجية سياسية طويلة الأمد يجبر إسرائيل على التحرك في ظروف تحددها الولايات المتحدة واللاعبون الإقليميون الآخرون، الذين لا تتطابق مصالحهم دائمًا مع المصالح الإسرائيلية. موقع "The Insider" الروسي المعارض نشر في 28 الجاري نصاً تحت عنوان مطول اقتبسه من خبير بالشؤون السورية "نزع سلاح الأكراد السوريين تمّ مقابل إجراءات متواضعة إلى حد ما. وهذه التفاهمات لا تزال في دائرة الخطر". نقل الموقع عن كبير محللي الشؤون السورية في مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group) السوري نانار هواش قوله إن الأكراد يرون أن ما حصلوا عليه مقابل الاندماج في الدولة السورية لا يزال متواضعاً جداً، بالنظر إلى حجم التنازلات التي اضطروا إلى تقديمها. فقد بات الأكراد الآن يعتمدون على دمشق في أمور كانوا في السابق يؤمنونها إلى حد كبير بأنفسهم. ويُعدّ منحهم الجنسية، وإتاحة التعليم باللغة الكردية، وتخصيص مناصب لقادتهم، مكاسب مهمة بعد عقود من الرفض والحرمان. لكن هذه المكاسب تأتي في مقابل التخلي عن الإدارة والقوات المسلحة وعائدات النفط، وهي أمور كانت القيادة الكردية تسيطر عليها بشكل مستقل في السابق. ولا يوجد حتى الآن ما يضمن أياً من هذه المكاسب في الدستور، ما يعني أنها قد تُسحب من جانب السلطة نفسها التي منحتها. ومع ذلك، يرجح الخبير أن يصمد التفاهم ويبقى قائماً، على الأقل، ما دامت المصالح التي تقف وراءه قائمة. فدمشق تريد استعادة وحدة البلاد، وأنقرة تريد إنهاء مسار السلام الداخلي، بينما تريد واشنطن تأكيد صواب رهانها على سوريا. ويرى أن الخطر الأكثر واقعية يتمثل في "عدم تنفيذ الالتزامات بروية، وليس التراجع عنها". كما ينقل الموقع عن كبير الباحثين في مجلس العلاقات الدولية الأميركي (CFR) الأميركي من أصل تركي هنري باركي، المتخصص بالشؤون التركية والأكراد، بأنه يرى من الصعب التنبؤ بالتطورات المقبلة، لأن الكثير يعتمد على تطور أحداث تقع "خارج نطاق سيطرة الطرفين". ويرى أن السبب في ذلك يعود إلى أننا نتعامل مع زعيم سابق لهيئة تحرير الشام، ممثلاً بأحمد الشرع، الذي لم تتضح توجهاته الأيديولوجية بعد بصورة كاملة. ولديه خبرة محدودة في ما يمكن أن نطلق عليه الحكم "الديمقراطي". وقد منح مظلوم عبدي منصباً لا يتمتع بوزن كبير، وستكون الطريقة التي سيتعامل بها مع الزعيم الكردي ذات أهمية كبيرة جداً. ومن ناحية أخرى، لدى الشرع حافز للحفاظ على الاتفاق مع الأكراد، لأنه لا يريد العودة إلى الصراع معهم. وكان العامل الحاسم فعلياً في انتصار الشرع هو تغيّر الموقف الأميركي، إذ اضطر مظلوم عبدي إلى تقديم تنازلات، لأنه لم يكن لديه دعم خارجي، بل كان محاصراً بالخصوم فقط. كبرى صحف الأعمال الروسية "فـيدوموستي" نشرت في 27 الجاري نصاً رأت في عنوانه أن "فصائل الأكراد المسلحة في سوريا تخلت بنفسها عن سلاحها". وأشارت إلى أن هذه العملية تجري بالتوازي مع تخلي حزب العمال الكردستاني عن سلاحه طوعاً في تركيا. نقلت الصحيفة عن الباحث في مركز أبحاث الشرق الأوسط التابع لأكاديمية العلوم الروسية نيكولاي سوخوف ترجيحه أنه بعد الاتفاق، ستمنح دمشق مظلوم عبدي مهام منسق لشؤون شمال شرقي البلاد، من دون صلاحيات للقيادة العملياتية، في حين ستتولى إلهام أحمد منصباً دبلوماسياً أو سياسياً. وافترض سوخوف أنه بعد الاتفاق قد تبدأ مرحلة من "الدمج المنضبط" للأكراد، إذ تنتقل المعركة السياسية الآن إلى مجالات الدستور والتعليم والحكم المحلي والانتخابات وتوزيع الإيرادات. وهو على ثقة بأن وحدة الأكراد السوريين ستأخذ بالتراجع، وستشتد المنافسة بين المشاركين السابقين في قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والمجلس الوطني الكردي. ويرى أن المشكلات لا تزال قائمة: عودة اللاجئين والنازحين الأكراد، وإعادة الممتلكات إلى أصحابها، وحصة الأكراد في الأجهزة الأمنية، وقضايا الإدارة المحلية، ووجود العشائر العربية في المناطق ذات الغالبية الكردية. كما نقلت الصحيفة عن الكردي التركي إقبال درة، الذي يحاضر في قسم الدراسات الإقليمية الأجنبية في جامعة موسكو للغات، تأكيده بأن المشكلة الرئيسية في المرحلة الراهنة من القضية الكردية تبقى التعليم باللغة الكردية في سوريا. ويرى أن الحكومة السورية على ما يبدو، موافقة على ذلك. ولذا، فإن إدخال اللغة الكردية في العملية التعليمية السورية أصبح مسألة وقت. ويشير إلى أن المفارز العسكرية الكردية أصبحت مدمجة بالفعل في الجيش السوري على شكل كتائب منفصلة، في حين أن مسألة الوحدات النسائية لا تزال قيد النقاش. وفي المناطق الكردية في سوريا، لا يوجد سوى عدد قليل من جنود الجيش السوري الجديد من غير الأكراد. وتعمل الأطراف حالياً على حل العديد من المسائل الإجرائية المطروحة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة