الاستيطان يلتهم حدود أوسلو: منزلان لعائلة الطوباسي و100 بؤرة جديدة قبل الانتخابات الإسرائيلية


هذا الخبر بعنوان "منزلا الطوباسي و100 بؤرة... الاستيطان يمحو حدود أوسلو قبل الانتخابات" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد حصار دام 95 يوماً، استولى مستوطنون على منزلَي عائلة الطوباسي في جالود، ضمن توسع استيطاني يضرب مناطق السلطة الفلسطينية ويمحو حدود اتفاقية أوسلو قبل الانتخابات الإسرائيلية. تقع منزلَي عائلة الطوباسي في منطقة الظهر، وهي القمة الجبلية التي تفصل بين قريتَي جالود وقصرة جنوب نابلس.
بعد 95 يوماً من الحصار والاعتداءات، أُجبرت عائلة محمود الطوباسي على مغادرة منزلَيها تحت تهديد السلاح، فاستولى عليهما المستوطنون في "منطقة الظهر". وتتجاوز قصة المنزلين مأساة عائلة واحدة، لتكشف مساراً استيطانياً يتقدم نحو عمق المنطقتين "أ" و"ب" في الضفة الغربية. فقد أُقيمت 30 بؤرة استيطانية في مناطق السلطة الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، فيما تُطرح خطة لإقامة 100 بؤرة أخرى، في توقيت يسبق الانتخابات الإسرائيلية.
تقع جالود جنوب شرقي نابلس، وتحيط بها قرى قصرة وقريوت والمغير. وفي "منطقة الظهر"، يقع منزلَي العائلة وسط 13 دونماً مزروعة بالزيتون واللوز والجوز والتين. ويقول الزوجان إنهما أمضيا 3 أعوام في بناء المنزلين بأيديهما، وأنجزاهما عام 2019، رغبة منهما في تزويج أبنائهما وتأمين السكن والاستقرار لهم. وتقول عايدة الطوباسي إنها تولت إعالة أبنائها السبعة، إلى جانب استصلاح الأرض وزراعتها وبيع محاصيلها، بعد إصابة زوجها محمود في قدمه برصاصة أطلقها مستوطن خلال الانتفاضة الثانية عام 2001.
وبحسب محمود الطوباسي، تكمن أهمية الموقع للمستوطنين في أنه يتيح وصل البؤرة الاستيطانية في جالود ببؤرة "إيش كوديش" والمنازل الثلاثة المحاصرة في قصرة، عبر الطريق الجبلية خلف منزلَي العائلة. ويضيف أن ارتفاع الجبل يمنح الموقع أهمية استراتيجية، إذ يطل شرقاً على الأغوار وجبال السلط في الأردن، وغرباً على مستوطنة أريئيل، وجنوب غرب على تل العاصور، أكبر قاعدة عسكرية إسرائيلية في الضفة الغربية. وتقع الأرض ضمن المنطقة "ب" الخاضعة إدارياً للسلطة الفلسطينية بموجب اتفاقية أوسلو.
يقول محمود الطوباسي إن المستوطنين بدأوا التخطيط للسيطرة على الموقع قبل نحو 4 أشهر من التهجير، فأنشأوا بؤرة قرب المنزلين وأقاموا منشآت وخياماً في محيطهما، تمهيداً للسيطرة على المنطقة. ويوضح أن الحصار بدأ في منتصف نيسان/أبريل وانتهى بإخراج العائلة في 22 تموز/يوليو، ويقول إن المستوطنين تعمدوا الاستفراد بها مستغلين الحرب على إيران. وخلال تلك الفترة، أغلقوا الطريق الوحيد المؤدي إلى المنزلين بالحجارة، ومنعوا وصول الطعام والشراب، وقطعوا المياه والكهرباء بصورة كاملة.
رشق المستوطنون المنزلين بالحجارة باستمرار، وهدموا أحد الجدران، وحاولوا إحراق سيارة العائلة والمنزل الذي كان أفرادها يقيمون فيه. ويشير إلى أن العائلة أخرجت النساء والأطفال من الموقع في بداية الحصار حفاظاً على حياتهم وصحتهم النفسية. أما عايدة، فتقول إن الخوف على حياة زوجها وأبنائها دفعها إلى الرحيل، بعدما هدد المستوطنون العائلة يومياً بالقتل والإحراق، على غرار ما حدث مع عائلة الدوابشة في دوما، فيما هددهم الجيش الإسرائيلي بالاعتقال. وفي نهاية الحصار، خرج محمود وعايدة وابناهما قيس ووائل مرغمين ومنهكين جسدياً ونفسياً. وفور مغادرتهم، اقتحم المستوطنون المنزلين، وخلعوا النوافذ وحطموا الأبواب وألقوا الأثاث في الخارج، كما دمروا المحاصيل المزروعة في الأرض المحيطة بهما.
تقول عايدة إنها لا تزال مصدومة من الطريقة التي خرجت بها العائلة من دون اكتراث من وسائل الإعلام أو المسؤولين، وإنها تعاني نفسياً كلما نظرت من منزلها الحالي إلى التلة المقابلة، التي لا تبعد أكثر من كيلومترين. ولجأت العائلة إلى المحكمة العليا الإسرائيلية. وبحسب محاميها غياث ناصر، رأت المحكمة أن ما تقوم به القوات الإسرائيلية في المنطقة "يدخل ضمن صلاحيات القائد العسكري وتقديراته"، وأنها لا ينبغي أن تتدخل فيها. وأبدت السلطات الإسرائيلية استعدادها للسماح بعودة منسقة للسكان إلى منازلهم، لكنها قالت إنه لا يمكن تخصيص قوة عسكرية ثابتة للبقاء في المكان، وإن الجيش سيواصل تسيير دوريات في المنطقة.
يعبّر محمود وعايدة عن حزنهما لعدم انتشار قصتهما، مقارنة بالاهتمام الذي حظيت به المنازل المحاصرة في قصرة. ويرى الزوجان أن امتلاك أحد أفراد العائلة الجنسية الأميركية أو أي جنسية أجنبية كفيل بلفت أنظار وسائل الإعلام العربية والعالمية، واستدعاء اهتمام سياسي وديبلوماسي. يقول الزوجان إن الوزراء والمسؤولين وصلوا إلى قصرة، فيما لم يعد كثيرون يجيبون عن اتصالات عائلة الطوباسي. ويضيفان: "تركنا وحيدين نقاتل ميليشيا منظمة من دون أي اهتمام". ويعتقد محمود وعايدة أن الجنسية الأجنبية تمنح حاملها قدراً من الحماية لا يتمتع به الفلسطيني الذي لا يحمل سواها.
توجهت "النهار" إلى "منطقة الظهر"، وكان الطريق مليئاً بالحجارة والصخور التي وضعها المستوطنون لمنع الفلسطينيين من الوصول إلى المنطقة. وعند البوابة الحديدية المدمرة، خرج فتى لا يتجاوز 14 عاماً، وقال إنه "جديد" في المكان. ثم خرج فتى آخر لا يتجاوز 15 عاماً، وقال إن المسؤول عن المكان "يرفض التحدث أو إجراء مقابلة". وكانت ممتلكات العائلة متناثرة ومحطمة في محيط المنزلين. ورصدت "النهار" وجود 7 إلى 8 مستوطنين ممن يُعرفون بـ"فتيان التلال" بين المنزلين والخيمة، لا تتجاوز أعمارهم 15 عاماً. يقضون ساعات النهار نياماً، ثم تنشط تحركاتهم بعد الظهر، ويقودهم عادة مستوطنون مسلحون أكبر سناً.
وفي نهاية الأسبوع، هاجم مستوطنون أفراد العائلة خلال تصوير تقرير لشبكة "إن بي سي" الأميركية. وقال محمود إنهم توجهوا لتصوير آثار إطلاق النار على منزل ابنه شادي، قبل أن يعتدي عليهم المستوطنون بالهراوات. وأصيبت عايدة بكدمات في أنحاء جسمها وكُسرت يدها، فيما أصيب محمود في رأسه وظهره، إلى جانب أفراد من الطاقم الصحافي.
وكشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن تحول استراتيجي في سلوك الحركة الاستيطانية في الضفة الغربية، يقوم على التسلل التدريجي والمنهجي إلى المنطقتين "أ" و"ب" الخاضعتين للسلطة الفلسطينية بموجب اتفاقيات أوسلو. وبحسب التقارير، أُسست عشرات البؤر الاستيطانية والمزارع الرعوية برعاية مباشرة من قيادات في ائتلاف بنيامين نتنياهو، بينهم وزراء وأعضاء كنيست، وبحماية ميدانية توفرها قوات الجيش الإسرائيلي. وشهدت السنوات الأخيرة إقامة ما لا يقل عن 30 بؤرة داخل مناطق السلطة الفلسطينية، تركز معظمها في المنطقة "ب"، فيما أُقيمت واحدة منها على الأقل في عمق المنطقة "أ". وتهدف هذه البؤر إلى خنق التوسع العمراني الفلسطيني، وتقطيع أوصال القرى والبلدات، ودفع السكان إلى النزوح تحت وطأة الاعتداءات اليومية والمضايقات المعيشية.
ويترافق ذلك مع دعم منتدى "العائدون إلى ديارهم"، الذي يطرح إقامة 100 بؤرة استيطانية جديدة على أراضٍ مفتوحة تشكل نحو 60 في المئة من مساحة المنطقتين "أ" و"ب". ويأتي الدفع بهذه الخطط قبيل الانتخابات الإسرائيلية، وسط تقديرات بأن جهات داخل الحركة الاستيطانية معنية برفع مستوى التصعيد في هذه المرحلة، ما يجعل منزلَي الطوباسي جزءاً من مشروع أوسع لمحو الحدود التي رسمتها اتفاقيات أوسلو على الأرض.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة