تحديات الشرق الأوسط: من سيملأ الفراغ في حال انحسار النفوذ الإيراني؟


هذا الخبر بعنوان "من يملأ الفراغ الإيرانيّ إن حصل؟" نشر أولاً على موقع المركزية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في السياسة، كما في الطبيعة، لا وجود للفراغ؛ فحين تنسحب قوّة تتقدّم أخرى، وحين تضعف دولة تنشأ قوى تتقاسم وظائفها. ولعل التحدّي الأخطر الذي يواجه الشرق الأوسط هو ما سيؤول إليه الحيّز الذي قد يتركه انكماش النفوذ الإيرانيّ، ومن ستكون له القدرة على ملئه.
إن هذا السؤال أكبر من إيران وحدها، فالفراغ كان إحدى السمات التي حكمت المنطقة طوال العقود الأخيرة. لم تتمدّد إيران في المشرق العربيّ لأنّها الأقوى فحسب، بل لوجود دول ضعيفة، ومؤسّسات منهكة، وأنظمة فقدت قدرتها على احتكار القرار، مما جعل الوضع أكثر تعقيداً.
التاريخ الحديث للمنطقة يقدّم شواهد كثيرة؛ ففي العراق، فتح سقوط نظام صدام حسين الباب أمام تنافس واسع وفوضى عارمة وظهور تنظيم داعش. وفي سوريا، ومع تراجع سلطة الدولة ووقوفها في وجه التغيير، تعدّدت القوى والمرجعيّات من قوى مدنيّة ثائرة وفصائل محلّية وتنظيمات متشدّدة، إضافة إلى النفوذ الإيرانيّ والحضور الروسيّ والتمدّد التركيّ والإسرائيليّ.
حتى الربيع العربيّ أدى في أكثر من دولة إلى صعود قوى سياسيّة جديدة، مثل تيارات الإسلام السياسيّ، وسط هشاشة الدولة وعدم قدرتها على ضمان استقرار المؤسّسات. وفي لبنان، كشفت انتفاضة السابع عشر من تشرين عن انهيار عميق في شرعيّة المنظومة التقليدية من دون إنتاج مشروع سياسيّ موحّد.
ومع تساؤل البعض عن الطرف الذي سيملأ أيّ فراغ محتمل، تسعى الولايات المتّحدة لحماية مصالحها دون هيمنة مباشرة، بينما تتحرّك الدول العربيّ الخليجيّة بمنطق الاستثمار والاقتصاد والاستقرار. أما إسرائيل فستحاول استثمار التحولات لتعزيز أمنها، بينما تبرز تركيا كلاعب أساسي مستفيدة من حضورها وتوسّعها في سوريا والعراق، إلى جانب اتفاقية الدفاع المشترك الموقّعة في مكّة المكرمة بين السعودية وباكستان وتركيا.
إن استمرار تراجع النفوذ الإيرانيّ لا يعني اختفاءه، والافتراض بانتقال بسيط نحو نفوذ تركيّ أو عربيّ أو غربيّ يُعدّ تبسيطاً مفرطاً. والاحتمال الأخطَر هو تحول المساحة إلى تنافس دائم أو فوضى مزمنة، وهو ما يعاني منه لبنان تحديداً جراء العجز المزمن في بناء مفهوم الدولة.
وما يحتاجه الشرق الأوسط حقاً ليس وريثاً جديداً لإيران، بل أن تتوقّف دوله عن إنتاج الفراغ. فحين تكون الدولة قوّية وعادلة، لا يبحث أحد عن بديل لها، أمّا حين تضعف، فلا يعود السؤال من سيملأ الفراغ، بل كم مشروعاً سيتنافس على اقتسامه.
سياسة
سياسة
سياسة
اقتصاد