المسيّرات العربية: هل تصبح سلاح الردع الاستراتيجي الجديد ضد إسرائيل وإيران؟


هذا الخبر بعنوان "هل تصبح ملايين المسيّرات أداةً جديدة للردع الاستراتيجي العربي في مواجهة إسرائيل وإيران؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا يهدف هذا المقال إلى الدعوة لحرب مسيّرات أو افتراض امتلاك العرب لملايين منها، بل لاختبار فرضية استراتيجية حول ما إذا كانت القدرة على إنتاج المسيّرات وتعويضها وتطويرها يمكن أن تغير حسابات الحرب والسلام. المسيّرات (إكس). نزيه الخياط* لم تعد المسيّرات مجرد سلاح جديد، بل مؤشر لتحول في طبيعة القوة والردع. فالتطور التكنولوجي يخفض كلفة امتلاك القدرة الجوية، ويتيح إنتاج أعداد كبيرة وتعويضها بوتيرة أسرع من المنصات الجوية التقليدية. السؤال المطروح هو: هل يمكن أن تتحول المسيّرات، إذا اقترنت بقاعدة صناعية وتكنولوجية وجغرافية عربية متكاملة، إلى أداة جديدة للردع الاستراتيجي في مواجهة إسرائيل وإيران؟
أولاً: من الطائرات الحربية الباهظة إلى المسيّرات منخفضة التكلفة
كان امتلاك القوة الجوية الحديثة يتطلب طائرات باهظة الثمن، طيارين مدربين، قواعد، ومنشآت صيانة وقيادة وسيطرة. أما المسيّرات، في فئات واسعة منها، فتفتح مجالاً مختلفاً: كلفة أقل نسبياً، إمكانية أكبر للإنتاج الكمي، تغطية مجالات جغرافية أوسع، وقدرة أسرع على التطوير والتعويض. لا تحل المسيّرات محل الطائرات الحربية المأهولة، لكنها تضيف طبقة جديدة للقوة الجوية، تعتمد على قابليتها للإنتاج والتجديد والانتشار. هنا يتحول السؤال من امتلاك السلاح إلى امتلاك القدرة على إنتاجه. فالقوة الردعية لا تقاس بعدد المنصات، بل بقدرة الدولة على المحافظة عليها تحت الضغط. والفارق بين كلفة إنتاج المسيّرة وكلفة اعتراضها يفتح باباً جديداً أمام اقتصاديات الردع. فإن كانت المنصة أقل كلفة نسبياً، بينما يتطلب تحييدها وسائل دفاعية أكثر كلفة، فإن الكثرة القابلة للتعويض تستطيع نقل جزء من العبء الاقتصادي إلى الطرف المهاجم. هذا لا يعني أن الكثرة تنتصر تلقائياً على النوعية، بل قد تجعل التفوق النوعي أقل قدرة على تحقيق حسم سريع.
ثانياً: من القاعدة الجوية التقليدية إلى منظومة الدفاع المسيّراتية
التغيير الأهم لا يتعلق بالمسيّرة نفسها، بل بالبنية التي تنتجها وتشغّلها وتدمجها في منظومة الدفاع. فبدلاً من تركيز القوة الجوية في قواعد محددة، تتيح المنظومة المسيّراتية توزيع القدرة على نطاق أوسع، مما يمنح الدفاع مرونة أكبر واستمرارية أعلى تحت الضغط. هذه المنظومة لا تعني غياب الدولة، بل العكس: كلما أصبحت القدرة المسيّراتية جزءاً من منظومة دفاع وطنية منظمة، ازدادت قدرتها على خدمة الردع الرسمي. وهنا لا يصبح المجتمع بديلاً من الدولة، بل امتداداً لقاعدتها التكنولوجية والدفاعية، فيما يبقى قرار الحرب والسلم في يد الدولة ومؤسساتها. الميزة الأساسية ليست أن المسيّرات لا يمكن اعتراضها، بل أن توزيع القدرة وعدم تركيزها يجعل تحييد المنظومة بأكملها أكثر صعوبة.
ثالثاً: الجغرافيا العربية كمضاعف للقدرة
إذا استُثمرت طوبوغرافيتها ردعياً، تدخل الجغرافيا السورية والخليجية في المعادلة كأصل استراتيجي. فالمجال العربي يمتد عبر صحارى شاسعة وسلاسل جبلية معقدة وسهول مفتوحة ومناطق ساحلية ومدن كثيفة العمران، مما يمنحه تنوعاً طوبوغرافياً يمكن أن يتحول، عند تكامله مع التكنولوجيا والصناعة ومؤسسات الدولة، إلى عمق ومرونة في توزيع القدرة الدفاعية واستمراريتها. ولا تُقرأ الجغرافيا هنا بوصفها وسيلة تشغيلية، بل كمضاعف استراتيجي للقدرة والمرونة. وتكتسب سوريا أهمية خاصة إذا استعادت سيادتها ومؤسساتها، لأنها تمثل عمقاً استراتيجياً للمشرق والخليج العربي، فيما يمتلك الخليج الموارد المالية والتكنولوجية والصناعية التي يمكن أن تدعم بناء قدرات دفاعية متقدمة. ومن هنا يمكن أن يصبح التكامل بين القدرة الصناعية الخليجية والجغرافيا السورية أكبر من مجموع عناصره المنفردة. فالجغرافيا لا تنتج الردع وحدها، لكنها عندما تتكامل مع الصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد والدولة، تتحول إلى مضاعف للقدرة والمرونة.
رابعاً: التراكم الإقليمي أهم من التراكم الكمّي
ينبغي إعادة تعريف معنى «ملايين المسيّرات». فالقوة لا تتولد من العدد وحده، بل من القدرة المتراكمة على الإنتاج والتطوير والتعويض. والمقياس الاستراتيجي ليس المخزون في لحظة معينة، بل قدرة المنظومة على تجديد قوتها مع استمرار الصراع. وتكشف التطورات الصناعية في الخليج العربي عن انتقال من استيراد التكنولوجيا إلى توطين إنتاج المسيّرات والمسيّرات المضادة. وتستهدف شركة أميركية شريكة في مشاريع إنتاجية في الإمارات نحو 500 مسيّرة يومياً، أي 15 ألفاً شهرياً و180 ألفاً سنوياً. الرقم يدل على قابلية الإنتاج الكمي في دولة خليجية واحدة، لا كونه مخزوناً قائماً. وإذا انضمت دول خليجية أخرى إلى مشاريع مماثلة، وتكاملت معها قدرات عربية في البحث والتطوير والصناعة والتمويل، فقد يتحول الإنتاج إلى تراكم إقليمي قابل للتوسع والتعويض. ومع دخول الجغرافيا السورية في المعادلة، تتكامل القدرة الخليجية الصناعية والمالية مع العمق المشرقي والقاعدة البشرية والعلمية العربية، بما يتيح تحويل المجال العربي من سوق للتكنولوجيا الدفاعية إلى فضاء لإنتاجها وتطويرها. لذلك لا يعود السؤال: كم مسيّرة يمتلك العرب؟ بل: ما قدرتهم على إنتاجها وتعويضها وتطويرها؟ ومن هذه الزاوية، يصبح «المليون» تعبيراً عن سقف محتمل لقدرة صناعية مسيراتية وتكنولوجية عربية متراكمة، لا هدفاً عددياً مستقلاً.
خامساً: من المسيّرات الهجومية إلى المسيّرات المضادة الردعية
لا يجري التطوّر في اتجاه المسيّرات الهجومية وحدها، بل يتوسّع أيضاً في مجال المسيّرات المضادة للمسيّرات. وهذا يحوّل المنافسة من امتلاك سلاح هجومي إلى بناء منظومة دفاعية متكاملة تعتمد على الذكاء الاصطناعي. فالدولة التي تطوّر قدرتها المسيّراتية تحتاج، في الوقت نفسه، إلى وسائل ذكيّة لحماية مجالها الجوي وتقليل فاعلية المسيّرات المعادية. وهنا تظهر مجدداً اقتصاديات الردع. فالمنافسة لا تتعلق فقط بقدرة المسيّرة على الوصول إلى هدفها، بل بكلفة اكتشافها واعتراضها، وبقدرة الطرف الآخر على تعويض الوسائل التي فقدها. ومن ثم فإن المسيّرات المضادة لا تؤدي وظيفة دفاعية فحسب؛ بل يمكن أن تصبح جزءاً من الردع نفسه، عندما تجعل محاولة اختراق المجال الجوي أكثر كلفة وأقل ضماناً للنجاح. وبذلك يصبح الردع قائماً على منظومة متكاملة: قدرة على الإنتاج، وقدرة على الدفاع، وقدرة على التعويض.
سادساً: من القوة الهجومية المركزة إلى مرونة الردع الدفاعي المسيّراتي الموزع
تقوم القوة العسكرية التقليدية بدرجة كبيرة على تركيز القدرة الهجومية في منصات متقدمة وقواعد ومنشآت محددة. أما القدرة الدفاعية المسيّراتية الموزعة فتقوم على توزيع القدرة واستمراريتها وقابليتها للتعويض وإعادة الإنتاج. ولا يعني ذلك أن المسيّرات قادرة بالضرورة على تحقيق انتصار عسكري حاسم للطرف المدافع. فقيمتها قد تكمن في وظيفة مختلفة: تحويل الحرب إلى استنزاف وحرمان المهاجم من الحسم. فالمهاجم قد يمتلك تفوقاً نوعياً يسمح له بتحقيق مكاسب تكتيكية، لكنه قد يجد صعوبة في تحويلها إلى نتائج سياسية أو عسكرية حاسمة إذا واجه قدرة دفاعية قابلة للتجدد. وهنا ينتقل الردع من القدرة على هزيمة الخصم إلى منعه من تحقيق أهدافه بكلفة كبيرة. فالمسيّرات قد لا تمنح المدافع انتصاراً حاسماً، لكنها تستطيع حرمان المهاجم من الحسم وتحويل تفوقه العسكري إلى استنزاف متراكم. وهذا فارق جوهري بين سلاح يسعى إلى الانتصار وسلاح يسعى إلى منع الخصم من الانتصار وإنهاك قدراته. فالمطلوب ليس بناء قوة مسيّراتية موازية للقوة الجوية التقليدية، بل قدرة دفاعية مرنة تجعل الحرب أقل قابلية للحسم السريع وأكثر كلفة على المهاجم.
سابعاً: إسرائيل وإيران أمام تحدّي منظومة ردعية عربية مختلفة
تجد إسرائيل وإيران نفسيهما أمام احتمال نشوء منظومة ردعية عربية مختلفة: ليست مخزوناً ثابتاً من الأسلحة، بل قدرة إقليمية موزعة وقابلة للإنتاج والتعويض والتطوير. تستطيع إسرائيل تطوير وسائل متقدمة لمواجهة المسيّرات، كما تمتلك إيران خبرة واسعة في هذا المجال. لكن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بإسقاط المسيّرات، بل بإمكان تحييد القاعدة الصناعية التي تستطيع إعادة إنتاجها. وقد تؤدي الضغوط العسكرية المستمرة إلى نتيجة عكسية: تسريع بناء القدرات الدفاعية والصناعية التي كان الهدف منع ظهورها. ومن هنا يصبح السؤال الاستراتيجي: كيف نتجنب السياسات التي تجعل بناء منظومة ردعية أوسع ضرورة لدى الطرف الآخر؟ فالردع المستدام يبدأ أحياناً قبل امتلاك السلاح، بمعالجة الظروف التي تجعل امتلاكه ضرورة.
الاستنتاج: مليون مسيّرة رادعة قبل إطلاقها
الحديث عن «مليون مسيّرة» ليس هدفاً تسليحياً، بل فرضية قصوى لقابلية التراكم الصناعي والتكنولوجي العربي. فالقيمة الاستراتيجية لا تكمن في إطلاق مليون مسيّرة، بل في امتلاك القدرة على الوصول إلى أعداد كبيرة إذا فرضت الظروف ذلك. وهنا تكمن المفارقة: المليون قد يصبح رادعاً قبل أن تُطلَق منه مسيّرة واحدة. فإذا أدرك الخصم أن المجال العربي قادر، بتكامله الصناعي والتكنولوجي والاقتصادي والجغرافي، على إنتاج أعداد كبيرة وتعويض خسائره وتطوير وسائل مضادة، فإن حساباته لن ترتبط فقط باليوم الأول للحرب، بل بما يمكن أن يواجهه بعد أسابيع وأشهر من استمرارها. وهذا هو جوهر الردع بالقدرة الكامنة: أن يعرف الخصم أن التفوق العسكري الأولي لا يضمن له الحسم، وأن الحرب نفسها قد تسرّع إنتاج القدرة التي يسعى إلى منعها. لكن الردع العربي لا يقوم على المسيّرات وحدها، بل على تفاعل الجغرافيا والديموغرافيا والاقتصاد والتكنولوجيا والصناعة والتحالفات والقرار السياسي. فالمسيّرات ليست بديلاً من القوة الجوية التقليدية، بل أداة لإعادة هندسة اقتصاديات الردع، وتوسيع الجغرافيا الدفاعية، وبناء قدرة إنتاجية متراكمة، وتحويل التفوق العسكري للمهاجم من حسم سريع إلى استنزاف مكلف. ولهذا فإن السؤال ليس: كيف ننتج مليون مسيّرة؟ بل: كيف نبني من القوة الكامنة ما يجعل المليون مسيّرةً سلاحاً محتملاً مع وقف التنفيذ؟ فإذا أدركت إسرائيل أن استمرار الضغط العسكري على سوريا ودول الخليج قد يسرّع نشوء منظومة ردعية عربية واسعة، وأدركت إيران أن استمرار تدخلها في المجال العربي قد يدفع إلى تكامل دفاعي وصناعي مضاد، فإن أفضل نتيجة استراتيجية قد تكون أن تتغير السياسات قبل الوصول إلى الحرب. عندها تصبح التكنولوجيا وسيلة لمنع الحرب لا لإدارتها؛ والمليون مسيّرة رادعاً قبل إطلاقه، لا سلاحاً بعد إطلاقه. *أكاديمي ـ باحث في الشؤون الجيوسياسية
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة