الديكتاتوريات تستغل انفتاح الديمقراطيات: مفارقة استراتيجية في السياسة الدولية


هذا الخبر بعنوان "الديموقراطية التي تحمي خصومها" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعدّ رهان الأنظمة الديكتاتورية على التغيير الديمقراطي في الدول الحرة إفلاساً سياسياً كبيراً، ودليلاً على فقدان أدوات التأثير الخارجية، مما يجعل همّها الأساسي ليس الانتصار الخارجي بل الاستمرار الداخلي القمعي. في واحدة من أكثر مفارقات السياسة الدولية إثارة للتأمل، تخوض بعض الأنظمة السلطوية، وفي مقدمتها النظام الإيراني، صراعاً مفتوحاً مع دول غربية ديمقراطية، بينما تستفيد في الوقت نفسه من أهم القيم التي تقوم عليها هذه الديمقراطيات: حرية التعبير، وحرية الإعلام، والتعددية السياسية، واستقلال المؤسسات، وحق المواطنين في الاعتراض والاحتجاج. تبرز هنا مفارقة استراتيجية لافتة: النظام الذي يقمع الحريات في الداخل، يراهن على الحريات في الدول التي يواجهها في الخارج. يمكن النظر إلى هذه المسألة باعتبارها جزءاً من معادلة سياسية واستراتيجية أكثر تعقيداً. فالأنظمة الديكتاتورية لا تحتاج إلى أن تكون ديمقراطية كي تواجه الديمقراطيات؛ بل تستطيع، في بعض الحالات، أن تجعل من ديمقراطية خصمها نقطة قوة لها، وأن تحول انفتاح المجتمع والمؤسسات وحرية النقاش إلى أدوات يمكن استغلالها في الصراع السياسي. هنا تنشأ المفارقة: فالنظام السلطوي قد لا يستطيع تغيير سياساته الداخلية بسهولة، لكنه يستطيع أن ينتظر تغيراً في القيادة السياسية لدى خصمه الديمقراطي، أو تغيراً في المزاج الشعبي، أو ظهور تيارات سياسية جديدة أكثر استعداداً للتفاوض معه. ومن هنا تصبح الانتخابات في الدول الديمقراطية، بالنسبة إلى خصم سلطوي، ليست مجرد ممارسة ديمقراطية داخلية، بل حدث استراتيجي يمكن مراقبته وانتظاره واستثماره. وهكذا يصبح المشهد شديد التناقض: في الداخل، إغلاق المجال السياسي. وفي الخارج مراقبة المجال الديمقراطي والاستفادة من انفتاحه.
الرهان على الزمن: أحد أهم الأسلحة التي تمتلكها الأنظمة السلطوية هو الوقت. الديمقراطيات تتحرك غالباً وفق دورات انتخابية قصيرة نسبياً، بينما تستطيع الأنظمة السلطوية التفكير بمنطق أطول أمداً، فيمكنها أن تنتظر سنوات حتى تتغير حكومة حرة، أو حتى يتغير موقف الرأي العام، أو حتى تظهر أزمة اقتصادية أو اجتماعية داخل الدولة الخصم. فما تعتبره الديمقراطية تغييراً طبيعياً في السلطة، قد تعتبره الديكتاتورية فرصة استراتيجية. الدولة الديمقراطية قد تتخذ موقفاً متشدداً تجاه دولة سلطوية، ثم تأتي حكومة جديدة فتطرح سياسة أكثر انفتاحاً على الحوار، ويتجلّى ذلك في السياسات الأميركية. وقد تفرض إدارة ما عقوبات، ثم تأتي إدارة أخرى فتخففها. وقد تعتبر حكومة معينة أن المواجهة هي الخيار الأفضل، بينما ترى حكومة لاحقة أن التفاوض أكثر فائدة، وأحياناً الاثنين معاً. وهنا تراهن الديكتاتورية على قاعدة بسيطة: إذا كنت لا تستطيع تغيير خصمك بالقوة، فانتظر حتى تغيّره الديمقراطية من الداخل. هذه ليست دعوة إلى اعتبار الديمقراطية نقطة ضعف، بل إلى إدراك أن الانفتاح الديمقراطي يحتاج إلى استراتيجية تحميه من الاستغلال.
إيران نموذجاً: يقدم النظام الإيراني مثالاً واضحاً على هذه المفارقة. فإيران، كدولة ذات نظام سياسي شديد المركزية، تتبنى سياسات إقليمية ودولية تقوم على المدى الطويل، وتعمل ضمن منظومة مؤسسات أمنية وعسكرية وسياسية متداخلة. وفي المقابل، تتعامل مع دول غربية تتغيّر حكوماتها وسياساتها عبر الانتخابات. لذلك لا ينظر صانع القرار الإيراني بالضرورة إلى الحكومة الغربية الحالية باعتبارها ثابتاً دائماً، بل قد ينظر إلى الدولة الغربية باعتبارها نظاماً سياسياً قابلاً للتغيير. ومن هنا يصبح الرهان على التحول السياسي في الديمقراطيات جزءاً من حسابات الأنظمة السلطوية. رغم أنه جزء طبيعي من الديمقراطية، لكنه قد يتحول إلى مادة تستثمرها الدول المعادية في صراعاتها السياسية والاستراتيجية.
حرية الخصم كأداة ضغط عليه: لا تقتصر المسألة على انتظار الانتخابات. فحرية التعبير تسمح بظهور أصوات عديدة داخل المجتمع الديمقراطي: أصوات مؤيدة للحرب وأخرى معارضة لها، أصوات تطالب بالتفاوض وأخرى تطالب بالتصعيد، أصوات تنتقد الحكومة وأخرى تدافع عنها. هذا أمر صحي في النظام الديمقراطي، لكن في الصراع الدولي، قد تحاول دولة سلطوية استغلال هذا التعدد من خلال حملات التأثير السياسي والإعلامي، أو نشر روايات مضللة، أو تضخيم الخلافات الموجودة أصلاً، أو تقديم نفسها إلى قطاعات معينة من الرأي العام باعتبارها ضحية للسياسات الغربية. وهنا لا تكمن المشكلة في وجود المعارضة أو حرية التعبير؛ فهذه ليست عيوباً في الديمقراطية، بل من أهم عناصر قوتها. المشكلة تكمن في استغلال الانفتاح الديمقراطي من طرف خارجي لا يؤمن أصلاً بالمبادئ التي تحمي هذا الانفتاح. بمعنى آخر، قد تستخدم الديكتاتورية حرية الديمقراطية ضد الديمقراطية نفسها. إلى جانب أن الدولة الديمقراطية تفرض على نفسها قيوداً لا تفرضها الأنظمة السلطوية على نفسها. فهي تخضع للقضاء، والإعلام، والبرلمان، والرأي العام، والقانون الدولي، والمنظمات الحقوقية والإنسانية. أما النظام السلطوي فقد يستطيع اتخاذ قراراته بسرعة أكبر، ولا يحتاج دائماً إلى الحصول على موافقة شعبية أو مؤسساتية. وهذا يعني أن الديمقراطية قد تكون أبطأ في اتخاذ القرار، لكنها أكثر قابلية للتصحيح والمراجعة. أما الديكتاتورية فقد تكون أسرع في اتخاذ القرار، لكنها أقل قدرة على تصحيح أخطائها لأن النظام السياسي نفسه قد يمنع الأصوات المعارضة من الوصول إلى مركز القرار، لذلك تبقى أنظمة غير مرنة وغير قابلة للتطوير، مصيرها الدائم إما الانتصار أو الانكسار. وهنا لا ينبغي أن يكون الحل هو التخلي عن الحريات. على العكس، الحل هو تطوير ديمقراطي أكثر وعياً بحدود الانفتاح وأكثر قدرة على حماية نفسها دون أن تفقد جوهرها. المشكلة ليست في الديمقراطية، بل في الاعتقاد بأن جميع الخصوم السياسيين يشتركون في القيم نفسها، وهذا ما تعانيه أوروبا وخاصةً اليسار في القارة. الديمقراطية تفترض وجود الاختلاف، لكنها لا تفترض بالضرورة أن جميع الأطراف الخارجية ستتعامل معها وفق القواعد نفسها. الدولة الديمقراطية قد تكون مستعدة للتفاوض، بينما يرى خصمها أن التفاوض مجرد وسيلة لكسب الوقت. وقد تقدم تنازلات باعتبارها جزءاً من التسوية السياسية، بينما يعتبرها الطرف الآخر علامة على الضعف. وقد تتراجع عن موقف معين استجابةً للرأي العام، بينما يفسر الخصم هذا التراجع على أنه فرصة لمزيد من الضغط. لذلك تحتاج الديمقراطيات إلى التمييز بين المرونة السياسية والتردد الاستراتيجي. هل المطلوب تقييد الديمقراطية؟ بالتأكيد لا. القول إن الأنظمة السلطوية تستفيد من حرية الديمقراطيات لا يعني أن الحل هو تقليص الحريات. فهذا سيكون انتصاراً للمنطق السلطوي نفسه. المطلوب هو العكس: ديمقراطية قوية تقضي على الأنظمة القمعية، لا ديمقراطية خائفة. ديمقراطية تستطيع أن تسمح بالمعارضة من دون أن تسمح بالتدخل الخارجي في مؤسساتها. ديمقراطية تسمح بتغيير الحكومات، ولكنها تحافظ على ثوابت استراتيجية تحظى بإجماع وطني واسع. ديمقراطية تسمح بالتفاوض، ولكنها لا تجعل التفاوض بديلاً من امتلاك عناصر القوة. وديمقراطية تقبل اختلاف الآراء، لكنها ترفض أن يتحول هذا الاختلاف إلى أداة في يد دولة أجنبية.
المفارقة الأخلاقية: الديكتاتور ينتظر الانتخابات: ربما تكمن إحدى أكثر المفارقات السياسية غرابة في أن الديكتاتور الذي يمنع شعبه من تغيير حكومته أو حتى إبداء رأيه، ينتظر الانتخابات في الدولة الديمقراطية التي يواجهها. هو لا يسمح لشعبه بحرية سياسية، لكنه يراهن على أن يمارس الشعب في الدولة الخصم حريته في اختيار حكومة جديدة. وهكذا تصبح حرية الخصم جزءاً من الحساب الاستراتيجي للديكتاتورية. لكن هذه المفارقة لا تعني أن الديمقراطية فاشلة؛ بل تعني أن الديمقراطية قوة تحتاج إلى حماية. فالمجتمع المفتوح لا يكون قوياً بمجرد كونه مفتوحاً، بل عندما يستطيع الدفاع عن انفتاحه من القوى التي تسعى إلى استغلاله لتقويضه. كما لا ينبغي للديمقراطيات أن تتحول إلى ديكتاتوريات كي تواجه الديكتاتوريات. عليها أن تثبت أن الحرية ليست ضعفاً، وأن التعددية ليست فوضى، وأن تغيير الحكومات لا يعني تغيير المبادئ، وأن الانفتاح لا يعني السذاجة. فالخطر الحقيقي ليس أن تكون الديمقراطية مرنة، بل أن يعتقد خصمها أن هذه المرونة تعني أنها قابلة للكسر. الديمقراطية القوية هي التي تسمح لشعبها بتغيير حكومتها، من دون أن تسمح لخصمها بتغيير مبادئها. لطالما سقطت الديكتاتوريات أمام كلمة واحدة وهي "الحرية" على درجاتها. ولهو إفلاس سياسي كبير لمن يراهن من الديكتاتوريين على التغيير الديمقراطي لدى الدول الحرة، وهو دليل إلى فقدان أدوات التأثير الخارجية، فيصبح الهمّ الأساسي ليس الانتصار الخارجي لا بل الاستمرار الداخلي القمعي، غافلين أن تلك الدول تسير أصلاً على مبدأ الكاردينال ريشيليو منذ عهد لويس الثالث عشر، مبدأ "مصلحة الدولة".
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة