لبنان
سياسة

السلام المؤجل: الاستثناء الأمني الإسرائيلي كسياسة دائمة لإدارة الصراع

المدن١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٢٠ م0 مشاهدة
السلام المؤجل: الاستثناء الأمني الإسرائيلي كسياسة دائمة لإدارة الصراع

تنويه

هذا الخبر بعنوان "السلام المؤجّل: الاستثناء الأمني في إسرائيل كسياسة دائمة" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

منذ تأسيس إسرائيل عام 1948، كان الحديث عن السلام حاضرًا في خطاب قادتها، لكنه ظل غالبًا سلامًا مشروطًا بلحظة أمنية مثالية مؤجلة إلى أجل غير مسمى. كانت الحجة المتكررة هي أن الدولة تواجه خطرًا استثنائيًا، وأن معالجة قضايا الحدود واللاجئين والأرض والحقوق الفلسطينية يجب أن تنتظر زوال هذا الخطر. إلا أن هذا الاستثناء طال، وتغيرت مصادر التهديد، وتعاقبت الحروب والحكومات، بينما بقي التأجيل ثابتًا، متحولًا من مرحلة مؤقتة إلى بنية دائمة لإدارة الصراع دون تسويته.

لا يعني ذلك أن جميع الحكومات الإسرائيلية اتبعت سياسة واحدة، أو أن كل مبادرات السلام كانت مجرد خداع. فقد عقدت إسرائيل معاهدتي سلام حقيقيتين مع مصر والأردن، وخاض إسحق رابين مسارًا تفاوضيًا حمل إمكانية تحول تاريخي قبل اغتياله. لكن قراءة المسار العام تكشف نمطًا متكررًا: قبول السلام عندما يعزز أمن الدولة وشرعيتها الإقليمية، مع مقاومة السلام الذي يفرض عليها حسم حدودها، وإنهاء الاحتلال، وتفكيك المستوطنات، والاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

يستند هذا المنظور إلى مفاهيم فلسفية حول الاستثناء. فكارل شميت يرى أن صاحب السيادة هو من يقرر متى توجد حالة استثنائية تتيح تعليق القواعد العادية باسم حماية الدولة. أما جورجيو أغامبن فيحذر من تحول هذا الاستثناء المؤقت إلى أسلوب دائم في الحكم. وعند تطبيق هذا المنظور على إسرائيل، يتضح أن السياسة الإسرائيلية استخدمت منطقًا مشابهًا مبنيًا على أن التهديد الأمني يؤجل التسوية، وتأجيل التسوية يعيد إنتاج التهديد، والتهديد المتجدد يبرر استمرار الاستثناء.

بن غوريون: الدولة التي وُلدت في الطوارئ

نشأت إسرائيل في قلب حرب 1948، فكان الأمن جزءًا تأسيسيًا من هويتها السياسية. أُعلنت حال الطوارئ بعد أيام من قيام الدولة، واستمرت تتجدد لعقود. كما خضع المواطنون الفلسطينيون داخل إسرائيل للحكم العسكري حتى عام 1966، رغم حصولهم رسميًا على الجنسية. كانت الدولة تمارس الديمقراطية داخل المجتمع اليهودي، بينما تدير السكان العرب بمنطق أمني استثنائي يقوم على تقييد الحركة ومصادرة الأراضي والرقابة.

أدرك دافيد بن غوريون أهمية كسب الوقت لبناء الدولة واستيعاب المهاجرين اليهود وتشكيل الجيش وتثبيت الوقائع الديموغرافية والجغرافية بالقوة. لم يكن رافضًا لكل أنواع التفاوض، لكنه لم يتعامل مع التسوية باعتبارها التزامًا بإعادة النظر في نتائج حرب 1948. أصبحت قضية اللاجئين الفلسطينيين مؤجلة إلى مفاوضات مستقبلية، بينما كانت الوقائع الناتجة من نكبتهم تُرسَّخ على الأرض، من خلال التهويد وهدم معالم الوجود التاريخي للفلسطينيين ودفعهم للهجرة حتى من أراضي 1948. بهذا المعنى، أصبح الاستثناء وسيلة لترسيخ نتائج الحروب من احتلال وتغيير المعالم السكانية. كان السلام مقبولًا إذا اعترف العرب بالواقع الجديد الذي فرضته الحرب، لكنه لم يكن يعني في أي لحظة معالجة جذور الصراع أو قبول عودة اللاجئين أو تقاسم السيادة. لقد أنجز الصهاينة بناء الدولة في الزمن الذي أتاحه غياب الحل المدعو عادلًا ودائمًا.

حرب حزيران 1967: مستوى جديد من الاستثناء

أضافت حرب حزيران 1967 مستوى جديدًا من الاستثناء. فقد سيطرت إسرائيل على الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة وسيناء والجولان. كان من الممكن النظر إلى الاحتلال بوصفه وضعًا عسكريًا مؤقتًا ينتهي بتسوية قريبة، لكن غياب القرار بشأن الحدود النهائية سمح بتحويل الأرض المحتلة إلى مجال مفتوح لإنتاج الوقائع.

ظهرت المستوطنات أولًا تحت مبررات أمنية، ثم توسعت بدوافع دينية وقومية واقتصادية. وكلما زاد عدد المستوطنين والبنى التحتية المرتبطة بهم، أصبحت التسوية أكثر كلفة سياسيًا. هكذا نشأت دائرة محكمة: يؤجل الحل بسبب انعدام الأمن، وخلال التأجيل يتوسع الاستيطان، ثم يصبح وجود المستوطنات سببًا إضافيًا لتعقيد الحل.

شكلت خطة ألون بعد حرب 1967 مثالًا واضحًا على التفكير القائم على إدارة الأرض بدل حسم مستقبلها. فقد سعت إلى الاحتفاظ بمناطق استراتيجية مع تجنب ضم الكثافة السكانية الفلسطينية كاملة. كانت الغاية امتلاك الأرض الضرورية أمنيًا مع تقليل المسؤولية السياسية عن سكانها. ومن هنا بدأت صيغة ستتكرر لاحقًا: السيطرة الفعلية من دون ضم شامل، وحكم السكان من دون منحهم مواطنة أو سيادة.

معاهدة السلام مع مصر واتفاقات كامب ديفيد

أثبتت معاهدة السلام مع مصر عام 1979 أن إسرائيل تستطيع الانسحاب من أرض محتلة عندما تتوافر الإرادة والضمانات السياسية. أعاد مناحيم بيغن سيناء كاملة وفكك المستوطنات فيها، لأن السلام مع أكبر دولة عربية حقق مكسبًا استراتيجيًا هائلًا.

لكن المسار الفلسطيني في اتفاقات كامب ديفيد اتخذ شكل الحكم الذاتي الانتقالي بدل الدولة والسيادة. جرى فصل السلام المصري عن الحل الفلسطيني النهائي. وبذلك حققت إسرائيل السلام مع الدولة العربية الأقوى، بينما بقيت القضية الفلسطينية خاضعة لمفاوضات مؤجلة وشروط أمنية متحركة.

تكشف هذه المقارنة أن العقبة لم تكن دائمًا رفض الانسحاب من حيث المبدأ. فعندما أدى الانسحاب إلى سلام بين دولتين واضحتَي الحدود، أمكن تنفيذه. أما التسوية الفلسطينية فكانت تستدعي أسئلة أشد عمقًا حول الأرض والهوية والديموغرافيا والقدس واللاجئين، ولذلك بقيت مؤجلة.

أوسلو: حين ابتلع الانتقالُ الحلَّ النهائي

مثلت اتفاقات أوسلو عام 1993 أهم محاولة لكسر هذا المنطق. اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل، واعترفت إسرائيل بالمنظمة ممثلًا للفلسطينيين، ونشأت سلطة فلسطينية انتقالية. كان يفترض أن تستمر المرحلة الانتقالية خمس سنوات، وأن تقود مفاوضات الوضع النهائي إلى تسوية قضايا القدس والحدود واللاجئين والمستوطنات والأمن.

لكن أوسلو أدت إلى تأجيل أصعب المسائل بدل أن تحسم مبادئ حلها منذ البداية. وقد أدى ذلك إلى بناء سلطة فلسطينية تدير السكان في مناطق محدودة، بينما بقيت إسرائيل تتحكم في الحدود والمجال الأمني ومساحات واسعة من الضفة. كما استمر توسع المستوطنات أثناء المفاوضات.

كان رابين قد بدأ انتقالًا حقيقيًا، وإن كان حذرًا وغير مكتمل، من إدارة الفلسطينيين بالقوة المباشرة إلى الاعتراف بهم طرفًا سياسيًا. لكن اغتياله عام 1995، ثم العمليات المسلحة الفلسطينية وصعود اليمين الإسرائيلي، أعاد الأمن إلى مركز العملية. صار يُطلب من الفلسطينيين إثبات قدرتهم على توفير الأمن قبل التقدم السياسي، بينما كان غياب التقدم يقوض شرعية القيادة الفلسطينية ويغذي المقاومة. وهكذا أصبح كل طرف ينتظر من الآخر توفير شروط التسوية قبل تنفيذ التزاماته.

تحولت المرحلة الانتقالية إلى مقصد دائم. وبدل أن تكون السلطة الفلسطينية جسرًا إلى الدولة، أصبحت جزءًا من نظام إدارة الاحتلال بأن تتحمل أعباء الخدمات والأمن الداخلي، فيما تحتفظ إسرائيل بعناصر السيطرة السيادية. كان يفترض أن تنتهي المرحلة الانتقالية عام 1999، لكنها ما زالت، بأشكال مختلفة، قائمة حتى اليوم.

مع وصول بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة عام 1996، انتقل التأجيل من خلل في عملية السلام إلى سياسة أكثر انتظامًا. لم يلغ نتنياهو أوسلو رسميًا، لأن إلغاءه كان سيحمّل إسرائيل كلفة دولية وأمنية كبيرة. لكنه أخضع أي تقدم لمفهوم فضفاض هو

شارك الخبر: