لبنان
سياسة

الشرق الأوسط كشركة مساهمة: من يتولى إدارة المنطقة في ظل صراع القوى الإقليمية؟

النهار١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٥٠ ص0 مشاهدة
الشرق الأوسط كشركة مساهمة: من يتولى إدارة المنطقة في ظل صراع القوى الإقليمية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الشرق الأوسط كشركة مساهمة: من سيتولى إدارة المنطقة؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

منذ عام 1998، طرح سؤال حول مستقبل الشرق الأوسط، حيث تم تشبيه المنطقة بشركة مساهمة كبرى تتولى الولايات المتحدة رئاسة مجلس إدارتها، وأن الصراع المستقبلي لن يكون بين العرب وإسرائيل فحسب، بل على من سيتولى الإدارة التنفيذية لهذه الشركة الإقليمية، مع ترشيح إسرائيل وإيران وتركيا كقوى أساسية في هذا الصراع. بعد ما يقارب ثلاثة عقود، يبدو أننا في قلب هذا الصراع، حيث لم يعد السؤال المركزي يتعلق بمن يحتل أرضاً أو ينتصر في حرب، بل بمن يضع قواعد النظام الإقليمي، ويحدد حدود النفوذ، ويقرر مستقبل دول مثل سوريا والعراق ولبنان والخليج وشرق المتوسط، ومن يمتلك القدرة على التأثير في القرار العربي. لقد تحولت المنطقة تدريجياً من مرحلة كان فيها العالم العربي أحد صانعي النظام الإقليمي إلى ساحة للصراع على هذا النظام، وهنا تكمن المأساة.

في النصف الثاني من القرن العشرين، كان الصراع الرئيسي يُعرّف بالصراع العربي-الإسرائيلي، وكانت هناك مشاريع عربية متنافسة. أما اليوم، فقد تغيرت الخريطة لتشمل ثلاثة مشاريع إقليمية رئيسية: إسرائيلي، تركي، وإيراني، لكل منها تصور مختلف. وتتحرك الدول العربية منفردة بين هذه المشاريع، مما أدى إلى غياب محور عربي واحد. تتجه بعض الدول العربية نحو الولايات المتحدة، وأخرى تنسق مع تركيا، وبنت دول علاقات استراتيجية مع إسرائيل، وارتبطت دول أخرى بإيران، بينما تحاول دول أخرى تحقيق توازن في علاقاتها. حتى دول الخليج لم تعد كتلة واحدة، بل أصبحت لكل دولة حساباتها وتحالفاتها الخاصة، وتشير التحولات الجارية إلى بحث بعض الدول عن ترتيبات وتحالفات جديدة بعد اهتزاز الثقة في النظام الإقليمي التقليدي.

المشروع الإسرائيلي: من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على النظام

لا يقتصر مفهوم "إسرائيل الكبرى" على خريطة جغرافية محددة، بل يشمل الهيمنة الرئيسية في الشرق الأوسط. قد لا تحتاج إسرائيل إلى احتلال الأراضي لتحقيق مشروعها، بل يمكن أن تحقق الهيمنة من خلال تفوقها العسكري والتكنولوجي والاستخباراتي، وتحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. إضعاف القوى الإقليمية المنافسة ومنع ظهور قوة موازية لإسرائيل يعتبران عناصر أساسية في رؤيتها الأمنية. شكلت إيران التحدي الأكبر، ولكن إضعافها قد يكشف المنافس التالي، وهو تركيا.

المشروع التركي: النفوذ من دون احتلال

تسعى تركيا لتكون الدولة التي لا يمكن اتخاذ قرار في محيطها الإقليمي دون أخذ مصالحها في الاعتبار، مستخدمةً الاقتصاد والتجارة والطاقة والصناعة الدفاعية والقوة العسكرية والدبلوماسية والعلاقات الثقافية، بالإضافة إلى عضويتها في حلف شمال الأطلسي. السياسة التركية الحالية أقرب إلى بناء نظام إقليمي يخدم أمنها ومصالحها. لكن صعود الدور التركي يضع أنقرة في مواجهة المشروع الإسرائيلي، حيث تتقاطع مجالات نفوذهما في سوريا وشرق المتوسط، مما يحول العلاقة التركية-الإسرائيلية إلى تنافس استراتيجي بنيوي.

المشروع الإيراني: الدفاع عن مجال النفوذ المتراجع

بنت إيران مشروعها الإقليمي منذ الثورة الإسلامية عبر شبكة واسعة من التحالفات السياسية والعسكرية وغير الحكومية. قبل كل شيء، هو مشروع دولة تسعى لإنشاء عمق استراتيجي. تعرض هذا المشروع لضربات كبيرة، وتغيرت البيئة الإقليمية، وأصبحت إيران في معركة للحفاظ على ما تبقى من مجال نفوذها. المواجهات العسكرية خلال عام 2026 نقلت الصراع مع إيران إلى مستوى جديد، وأظهرت أزمة مضيق هرمز قدرة إيران على التأثير في الاقتصاد والأمن العالميين.

بعد إيران: هل تصبح تركيا المنافس الرئيسي لإسرائيل؟

إذا تراجعت قدرة إيران على المنافسة الإقليمية، فقد ينتقل مركز التنافس تدريجياً من إسرائيل وإيران إلى إسرائيل وتركيا. تمتلك تركيا اقتصاداً أكبر، وقاعدة صناعية متقدمة، وصناعة عسكرية متنامية، وجيشاً ضخماً، وعضوية في حلف شمال الأطلسي، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، وصلات اقتصادية وسياسية واسعة مع العالم العربي. قد ترى إسرائيل في صعود قوة تركية تحدياً لاحتكارها التفوق الاستراتيجي. العائق الأكبر أمام هيمنة إسرائيلية شبه مطلقة بعد إيران قد يصبح تركيا، والعكس صحيح. التحليلات تشير إلى تحول التوتر التركي-الإسرائيلي إلى منافسة استراتيجية.

أين العرب؟

يغيب المشروع العربي الجماعي للنظام الإقليمي. هناك سياسات وطنية لدول عربية قوية اقتصادياً ومالياً وعسكرياً، لكن غياب التصور العربي المشترك لمستقبل الشرق الأوسط، وحدود التدخل الخارجي، ومفهوم الأمن الإقليمي، وحماية الدول الصغيرة، ومستقبل القضية الفلسطينية، والعلاقات مع القوى الإقليمية والدولية، يسمح للآخرين بالإجابة عن هذه الأسئلة نيابة عن العرب. غياب الإجابات المشتركة يصنع فراغاً تستغله القوى الأخرى.

رئيس مجلس الإدارة الأميركي ...ويبقى دور الولايات المتحدة.

ما زال تشبيه الولايات المتحدة برئيس مجلس إدارة "الشركة المساهمة" صالحاً، لكن أميركا لم تعد قادرة على إدارة كل تفاصيل الشرق الأوسط. الصين وروسيا والقوى الإقليمية أصبحت أكثر استقلالاً. ومع ذلك، ما زالت الولايات المتحدة تمتلك شبكة من القواعد والتحالفات والعلاقات العسكرية والاقتصادية وقدرة غير مسبوقة على التأثير في ميزان القوة الإقليمي. التطورات العسكرية الأميركية-الإيرانية خلال عام 2026 تؤكد أن واشنطن ما زالت لاعباً مباشراً في أمن المنطقة. رئيس مجلس الإدارة ما زال موجوداً، لكنه لم يعد قادراً على ضبط جميع أعضاء المجلس.

الخطر الحقيقي

الخطر الأكبر على العالم العربي ليس انتصار أي من القوى الإقليمية، بل استمرار قبوله موقع الساحة بدلاً من استعادة موقع الفاعل. في غياب القوة العربية الجماعية، ستختار كل دولة التحالف الذي تراه مناسباً، مما لا يصنع نظاماً عربياً بل فراغاً. إذا لم يضع العرب تصورهم لمستقبل منطقتهم، فسيضعه الآخرون لهم. السؤال الأكثر إلحاحاً هو: هل نريد أن نبقى مساهمين صغاراً في شركة يديرها الآخرون، أم نريد أن نستعيد القدرة على صوغ نظام إقليمي نكون شركاء حقيقيين في تحديد قواعده ومستقبله؟

شارك الخبر: