هل أزمة لبنان التفاوضية تكمن في وفده أم في قدرة دولته على التنفيذ؟


هذا الخبر بعنوان "أزمة دولة وقدرات أم أزمة وفد وسلاح متفلّت؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع اقتراب الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية في أوائل سبتمبر، يبرز نقاش جوهري يتجاوز نتائج الجولات السابقة ومصير الجولة المقبلة. السؤال المطروح هو: هل تكمن المشكلة في الوفد اللبناني المفاوض نفسه، أم في الدولة التي أوفدته؟ يتعرض الوفد لانتقادات متزايدة تطال أداءه وكفاءة أعضائه، لكن هناك سؤالاً أعمق يسبق هذه الانتقادات، التي غالباً ما تكون ذات دوافع سياسية أو انتخابية: هل يمتلك الوفد اللبناني التفويض والأدوات والأوراق اللازمة ليكون مفاوضاً فعالاً؟
الوفد لا يفاوض باسمه الشخصي، بل باسم الدولة اللبنانية. وبالتالي، فإن قدرته على تحقيق نتائج ملموسة لا تعتمد فقط على خبرة أعضائه في الملفات العسكرية والدبلوماسية والقانونية، ومستواهم السياسي والتاريخي والاجتماعي، بل تعتمد بشكل أساسي على ما تحمله الدولة معها إلى طاولة المفاوضات: قرار سياسي واضح، قدرة على الوفاء بالالتزامات، أوراق ضغط فعالة، وهامش للمناورة والمقايضة.
هنا تكمن المعضلة اللبنانية. من حق اللبنانيين مساءلة أداء وفدهم، بل إن هذه المساءلة ضرورية، خاصة وأن الأمر يتعلق بملف سيادي وأمني حساس يمس الحدود والانسحاب الإسرائيلي ومستقبل الجنوب. ومع ذلك، هناك فرق جوهري بين نقد الأداء والحكم على الكفاءة. إذا ثبت أن الوفد قد أخطأ، فيجب تحديد طبيعة هذا الخطأ بدقة: هل كان في قراءة الموقف الإسرائيلي؟ هل أهدر ورقة تفاوضية؟ هل قدم تنازلاً كان يمكن تجنبه؟ هل فشل في تقديم مقايضة مناسبة؟ هل قبل بإطار تفاوضي حدّ من هامش حركته؟ هذه أسئلة يمكن أن تؤدي إلى تقييم مهني موضوعي. أما اعتبار الوفد غير كفء لمجرد أنه لم يحقق كل ما يريده لبنان، فهذا ليس دليلاً كافياً على عدم الكفاءة.
إن النتيجة التفاوضية ليست مجرد اختبار لكفاءة الوفد، بل هي نتاج تفاعل معقد بين كفاءة المفاوض، وموازين القوى، وموقف الطرف الآخر، والتفويض السياسي الممنوح، والأوراق المتاحة، وقدرة الدولة على تنفيذ ما تتعهد به. إسرائيل تدخل المفاوضات وهي تمتلك واقعاً عسكرياً على الأرض، وتسعى لتحويل هذا الواقع إلى مكاسب أمنية وسياسية. في المقابل، يدخل لبنان المفاوضات مطالباً بإزالة هذا الواقع، والوصول إلى انسحاب إسرائيلي وانتشار للجيش اللبناني وترسيخ سلطة الدولة. لذلك، لا يبدأ الطرفان من نفس الموقع.
يمكن للمفاوض اللبناني أن يحسن استخدام أوراق بلاده المتاحة، لكنه لا يستطيع خلق أوراق غير موجودة. يمكنه الاستفادة من الشرعية الدولية، والدعم الأميركي، ودور الجيش اللبناني، وحاجة إسرائيل إلى أمن مستدام على حدودها الشمالية. إلا أن هذه العناصر لا تتحول تلقائياً إلى قوة تفاوضية ما لم تكن جزءاً من استراتيجية واضحة ومتكاملة. هنا يبرز السؤال المحوري: هل يحمل الوفد اللبناني استراتيجية تفاوضية شاملة، أم مجرد مجموعة من المطالب اللبنانية؟
في عالم التفاوض، هناك فرق كبير بين أن تقول للطرف الآخر: "هذا ما نريده منك"، وبين أن تقول: "هذا ما نريده منك، وهذا ما نستطيع تقديمه في المقابل". لبنان يطالب بالانسحاب الإسرائيلي، لكن ماذا يقدم في المقابل؟ هل هو انتشار الجيش اللبناني؟ ترتيبات أمنية محددة؟ آلية تحقيق معينة؟ ضمانات أميركية؟ التزامات واضحة في الجنوب؟ جدول زمني لتنفيذ التزامات متبادلة؟ كلما كانت الإجابة على هذه الأسئلة أكثر وضوحاً، أصبح الوفد أقرب إلى كونه مفاوضاً فعلياً قادراً على صناعة تسوية. أما إذا كانت مهمته الأساسية تقتصر على نقل المطالب اللبنانية وانتظار الرد الإسرائيلي، فإن دوره يصبح أقرب إلى كونه مجرد ناقل لموقف الدولة منه إلى مفاوض يصنع التسوية.
وهنا تظهر إحدى أكثر العقد حساسية: ما الذي يستطيع الوفد اللبناني أن يضمنه؟ إسرائيل لا تكتفي بالتعهدات اللبنانية، بل تسعى لمعرفة الجهة القادرة على تنفيذ هذه التعهدات. إذا تعهد لبنان بانتشار الجيش، فالأمر واضح نسبياً. لكن عندما تصل المفاوضات إلى قضايا حساسة مثل منع عودة حزب الله إلى مناطق معينة، أو ضبط السلاح، أو ضمان ترتيبات أمنية طويلة الأمد، فإن الأمر يتجاوز صلاحيات الوفد. هنا يمكن للطرف الإسرائيلي أن يسأل: "هل يستطيع الوفد اللبناني أن يضمن ما يتعهد به؟" هذا سؤال مشروع في أي مفاوضات، فالوفد لا يستطيع تقديم ضمانات في مسائل لا تملك الدولة اللبنانية نفسها كل أدوات تنفيذها.
ومن هنا تبرز أهمية التفويض. المفاوض القوي يحتاج إلى هامش مناورة واسع. يحتاج إلى القدرة على قبول اقتراح، أو رفضه، أو تقديم بديل، أو الدخول في مقايضة، دون أن تتحول كل خطوة إلى ضرورة للعودة إلى نقطة الصفر. فما هو هامش الوفد اللبناني؟ هل يستطيع تقديم تنازلات؟ هل يستطيع تعديل الموقف اللبناني؟ هل يستطيع عرض ترتيبات جديدة؟ هل يستطيع قبول صيغة نهائية إذا كانت تحقق المصالح الأساسية للبنان؟ إذا كان الأمر مرتبطاً بسقف سياسي لا يستطيع الوفد تجاوزه، فإن السؤال عن كفاءة الوفد يصبح أقل أهمية من السؤال عن حدود التفويض الذي مُنح له.
هنا تظهر المعضلة الأساسية. في 5 أغسطس 2025، اتخذ مجلس الوزراء قراراً بتكليف الجيش وضع خطة لتطبيق حصر السلاح بيد الدولة قبل نهاية العام. وفي 5 سبتمبر، رحب مجلس الوزراء بالخطة التي وضعتها قيادة الجيش لتنفيذ قرار بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيد السلطات الشرعية، مع مراحل متتالية وتقارير دورية ترفع إلى الحكومة. ثم جاء قرار 2 مارس 2026 ليذهب أبعد، إذ حظر مجلس الوزراء النشاطات الأمنية والعسكرية لحزب الله، وألزمه بتسليم سلاحه إلى الدولة وحصر نشاطه في المجال السياسي، وطلب من الأجهزة العسكرية والأمنية اتخاذ الإجراءات الفورية لتنفيذ القرار. هذا يعني أن الدولة اللبنانية لم تكن تجهل ما يفترض أن تفعله. لقد اتخذت قرارات متلاحقة باتجاه هدف واحد: حصر السلاح بيد الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية.
لكن المشكلة تكمن في أن التفاوض مع إسرائيل يتقدم فيما لم تتحول هذه المسارات الداخلية إلى واقع مكتمل. وهنا تظهر واحدة من أهم نقاط الضعف في الموقف اللبناني التفاوضي. وبالتالي، فإن تنفيذ القرارات اللبنانية ليس ملفاً داخلياً منفصلاً عن عملية التفاوض. يمكن للبنان تقديم التزامات أمنية، لكن إذا كانت بعض هذه الالتزامات تتطلب توافقات أو إجراءات داخلية لم تكتمل بعد، فإن قوة التعهد تتراجع. وهنا لا تعود المشكلة في مهارة المفاوض، بل في الفجوة بين القرار السياسي والقدرة على التنفيذ الفعلي. وإذا انعقدت الجولة الثامنة، فإن السؤال الأهم لن يكون فقط ماذا ستطلب إسرائيل وماذا سيرفض لبنان. يجب مراقبة شيء آخر: هل سيصل الوفد اللبناني ومعه إنجازات لبنانية فعلية يمكن تحويلها إلى أوراق تفاوضية؟ هل تقدمت الدولة في تنفيذ قراراتها؟ هل أصبح حصر السلاح أكثر واقعية؟ هل بات انتشار الجيش جزءاً من واقع أمني ملموس لا مجرد خطة؟ هل تستطيع الحكومة تقديم ضمانات قابلة للتحقق؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإن موقع الوفد اللبناني سيتغير بشكل جذري. أما إذا عاد الوفد إلى الطاولة بنفس المطالب، فيما لا تزال الدولة عاجزة عن تنفيذ ما قررته هي نفسها، فسيكون من الصعب فصل التعثر التفاوضي عن العجز الداخلي.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة