واشنطن قلقة: تعقيدات التحقق تعرقل إعادة تشكيل المشهد الأمني في جنوب لبنان


هذا الخبر بعنوان "واشنطن مستاءة.. وعملية التحقق مهمّة لكن غير مكتملة" نشر أولاً على موقع المركزية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد مرور حوالي شهر ونصف على توقيع “صيغة الإطار”، يواجه المسعى الأمريكي الطموح لإعادة تشكيل المشهد الأمني في جنوب لبنان تحديات كبيرة. فعلى الرغم من التقدم التقني الذي شهده انتشار الجيش في “المناطق التجريبية” في الأسابيع الأولى، إلا أن العملية السياسية تراوح مكانها، وغارقة في الغموض. لا يزال السؤال المحوري حول الجهة القادرة على التحقق بشكل موثوق من عدم وجود “حزب الله” بلا إجابة، كما أن الآلية اللازمة لتحويل الصيغة السياسية إلى إجراءات أمنية قابلة للتنفيذ لم تكتمل بعد.
تؤكد مصادر أمريكية أن المشروع برمته يتجه نحو المماطلة في غياب تحقق حقيقي، وهو الأمر الأكثر أهمية. وقد ساهمت جولة روما الأخيرة في تحويل الإطار السياسي العام إلى آليات تشغيلية أكثر قابلية للتطبيق، حيث اتفقت الوفود على خرائط مشتركة، ومعايير تشغيلية، وتعريفات محددة، وخريطة طريق لفتح مناطق إضافية. ومن المتوقع استمرار الاتصالات على مستوى فرق العمل في بيروت وتل أبيب وواشنطن، وصولاً إلى اجتماع في روما مطلع الشهر المقبل.
صرح دبلوماسي أمريكي بأن العملية وصلت إلى مرحلة مهمة لكنها غير مكتملة، موضحًا أن واشنطن تصر على أن الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان لن يتم دون تفكيك قابل للتحقق للبنية التحتية العسكرية لـ”حزب الله”. وتؤكد الخارجية الأمريكية أن “صيغة الإطار” تقوم على مسار تدريجي مشروط لإعادة انتشار القوات الإسرائيلية، يعتمد كليًا على قدرة الجيش اللبناني على الوفاء بالتزاماته ووجود آلية تحقق موثوقة. ويستند الموقف الأمريكي إلى دروس مستقاة من عقود من عمليات اليونيفيل “الفاشلة”.
ويضيف الدبلوماسي: “لا يمكن لأي اتفاق أن يستند بمصداقية إلى وعود “حزب الله”، أو إلى مجرد تصريحات من بيروت. يجب على الجيش اللبناني أن يُثبت لا أن يُعلن فقط سيطرته الحصرية، وعندها فقط ستسحب إسرائيل قواتها وتبدأ عملية إعادة الإعمار وعودة المدنيين”.
تجسد قضية تفتيش الممتلكات الخاصة هشاشة “صيغة الإطار”، حيث تصر إسرائيل على أن تشمل عملية التحقق القدرة على تفتيش المنازل في قرى الجنوب. وتشير مصادر عسكرية أمريكية إلى أن بطء التنفيذ لا يعكس عقبات تقنية فحسب، بل يعكس أيضًا واقعًا سياسيًا متجذرًا في لبنان. يواجه الجيش قيودًا داخلية وقانونية هائلة، بالإضافة إلى التهديد الدائم بالمواجهة مع “حزب الله”. تتمثل التحديات في إرساء سلطة دائمة وحصرية في المناطق التي عمل فيها “حزب الله” دون رادع، وتحديد مخابئ الأسلحة، وتدمير الأنفاق، ومنع عناصر الحزب من حرية الحركة، كل ذلك دون إثارة أزمة سياسية أو اندلاع عنف.
وفقًا لمصادر قضائية لبنانية، سيتعين على الجيش الحصول على مذكرات قضائية لتفتيش المنازل، مما قد يؤدي إلى تأخير كبير وطريق مسدود سياسيًا. فبدون القدرة التلقائية على تفتيش “المواقع الحساسة”، تخاطر عملية التحقق بأن تتحول إلى مجرد “مسرحية دبلوماسية” عاجزة عن منح إسرائيل الضمانات التي تطالب بها، أو إجبار “حزب الله” على نزع السلاح.
تشير مصادر رسمية لبنانية إلى أن عمليات تفتيش الممتلكات الخاصة لا تزال خطًا أحمر بالنسبة للمسؤولين الذين يخشون تأجيج التوتر، ليس فقط في الجنوب، بل في كل المشهد الطائفي الهش. ويشدد مصدر في البنتاغون على أن الجيش اللبناني سيحتاج إلى صيغة أوامر تفتيش “مفتوحة” لتفتيش الممتلكات الخاصة، وإلا فإن العملية ستكون بطيئة. وتصر مجموعة التنسيق العسكري للبنان (MCG4L) على ضرورة أن تكون آلية التحقق فعالة ومختصرة، خصوصًا أنها برزت كنقطة ضعف، حيث لا تزال الآلية الأساسية للتحقق نظرية والمناقشات حولها تمهيدية.
دبلوماسية كليرفيلد العسكرية: ردم الفجوات
وسط هذا الغموض والتوتر، برز دور الجنرال الأمريكي جوزيف كليرفيلد، الذي وصل إلى بيروت عقب مشاورات أجراها في إسرائيل. اعتبرت مصادر أمريكية أن “دبلوماسية كليرفيلد العسكرية” مؤشر على استمرار الانخراط الأمريكي، لا سيما العسكري، في الملف. ورغم غموض تفاصيل نتائج تحركه، رجحت مصادر أمريكية أن هدفه هو الحفاظ على تماسك “صيغة الإطار” في ظل تزايد الخلافات حول آليات التحقق، وإعادة الانتشار، واستمرار وجود “حزب الله”.
تشير هذه المصادر إلى أن سلسلة تحركاته الأخيرة تكتسب أهمية خاصة، لجهة لعب دور شبه الوسيط العسكري بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي. فهو يرأس آلية MCG4L التي استُخدمت لتبادل معلومات دقيقة وسريعة بين الطرفين، سعيًا لمنع الاحتكاك وفض الاشتباك، وتأمين قنوات الاتصال، وحل المشكلات العملياتية.
تقول مصادر أمريكية إن نتيجة “دبلوماسية كليرفيلد العسكرية” باتت تشكل الجسر الرئيسي الرابط بين المسار السياسي المنبثق عن اجتماعات روما وعملية التنفيذ على أرض الواقع. ورغم قدرة هذه القناة على الحفاظ على استمرارية الآلية وسط الحوادث، حذرت هذه المصادر من أن هذه الآلية لا تستطيع بمفردها حسم المسألة السياسية العالقة المتعلقة بتحديد الجهة الدولية التي ستتولى التحقق.
اعتبرت مصادر أمريكية أن المسائل العالقة لا تقتصر فقط على هوية آلية التحقق التابعة لطرف ثالث، وتكوينها، وصلاحياتها، والترتيبات المحتملة لحماية القوة العاملة فيها، إنما تتخطاها لبحث ما إذا كان سيتم نشر قوة أجنبية، لا سيما في ظل التساؤلات حول القوة البديلة لليونيفيل. ورغم التقارير التي أفادت بوجود تقدم لجهة تحديد قائمة مختصرة بالدول المحتملة للمساهمة بهذه القوة، نفى مسؤول أمريكي التوصل إلى اتفاق بشأن تشكيل هيئة التحقق، مؤكدًا أن المفاوضات لا تزال جارية.
في غضون ذلك، قال مصدر دبلوماسي أمريكي إنه يبدو أن كلا من إسرائيل ولبنان “يكسبان الوقت معًا”، إذ يظهران حرصًا أمام الرأي العام، لكنهما يترددان في الإقدام على الخطوات اللازمة لكسر الجمود. من هنا، فإن واشنطن تجد نفسها تدفع باتجاه تنفيذ تدريجي للخطوات التي تظل محل مفاوضات لا تنتهي.
تصريح كاتس: تصحيح سريع من واشنطن
في موازاة ذلك، انكشف توتر في مسار التفاوض الثلاثي إثر تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي الأخير من جنوب لبنان. اعتبرت مصادر أمريكية أن كاتس دخل حالة الاستنفار الانتخابي الكامل، وجاء رد الخارجية الأمريكية فوريًا ومدروسًا. أكد متحدث باسم الخارجية أن الوجود العسكري الإسرائيلي الدائم في جنوب لبنان “لا يتماشى مع الالتزامات الواردة في صيغة الإطار المتفق عليه، ولا يخدم السلام والأمن على المدى الطويل لكلا الدولتين”.
وقال مصدر دبلوماسي أمريكي لـ”نداء الوطن” إن هذا التصحيح ليس مجرد موقف كلامي؛ فقد صيغت رسالة واشنطن بعناية لحماية جوهر الاتفاق، إذ شددت على أنه لا يمكن لإسرائيل تحويل انتشار موقت ومشروط إلى عقيدة أمنية مفتوحة الأمد. في المقابل، أكدت أن نزع سلاح “حزب الله” وتفكيك بنيته التحتية شرطان مسبقان للانسحاب الإسرائيلي، مشددة على دور الجيش اللبناني في إثبات سيطرته الفعلية، لا الشكلية، على الأرض.
في الخلاصة، يستمر الغموض حول عملية التحقق، فيما يتزايد شعور واشنطن بالإحباط مع استمرار تعثرها رغم الجهود الدبلوماسية المكثفة وتصريحات المسؤولين الأمريكيين المتكررة التي تشدد على أهمية إجراء عمليات تفتيش مستقلة وموثوقة. واعتبر دبلوماسي أمريكي أنه طالما لم يتم الاتفاق على آلية قوية وتنفيذها، فإن “صيغة الإطار” تظل عرضة لخطر عدم التوصل إلى حل دائم وقابل للتطبيق للأزمة في جنوب لبنان.
سياسة
سياسة
سياسة
عاجل