نايلة تويني: جائزة الإعلام العربي.. 25 عاماً من الريادة في تشكيل مستقبل المهنة


هذا الخبر بعنوان "رئيسة مجموعة "النهار" الإعلامية نايلة تويني: "جائزة الإعلام العربي" ربع قرن من الرؤية" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
على مدار خمسة وعشرين عاماً، شهدت مهنة الإعلام تحولات جذرية، ومع ظهور الذكاء الاصطناعي، تبرز أسئلة جديدة ومعقدة. هنا تكمن القيمة الحقيقية لـ"جائزة الإعلام العربي"؛ فهي لم تكتفِ بحفظ ذاكرة الإعلام العربي، بل سعت لتكون جزءاً فاعلاً في مسيرته نحو المستقبل. قبل خمسة وعشرين عاماً، كنا ننتظر الخبر، أما اليوم، فالخبر يسبقنا في كل مكان. بين هاتين النقطتين، تغير كل شيء تقريباً في المشهد الإعلامي: الصحافة الورقية، التي كانت تقود المشهد، أصبحت جزءاً من منظومة أوسع؛ والشاشات انتقلت من غرف الجلوس إلى هواتفنا المحمولة؛ والجمهور تحول من متلقٍ سلبي إلى شريك، بل ومنافس في بعض الأحيان؛ كما أعادت المنصات الرقمية رسم خريطة التأثير والنفوذ. واليوم، يقتحم الذكاء الاصطناعي غرف الأخبار ليطرح علينا السؤال الأكثر صعوبة: ليس كيف سننتج الإعلام، بل أي نوع من الإعلام نريد أن يبقى؟ وكيف يمكننا دفع عجلة الإبداع والابتكار إلى الأمام؟
في خضم هذه التحولات، اختارت دولة الإمارات العربية المتحدة مساراً مختلفاً: لم تنتظر المستقبل، بل استثمرت في صناعته. هنا، وجدت الأفكار من يحولها إلى مشاريع، والمواهب من يمنحها المساحة لتنمو، والطموحات العربية بيئة مناسبة لتختبر قدراتها. ومن دبي تحديداً، انطلقت قبل ربع قرن جائزة أرادت الاحتفاء بالصحافة العربية، ثم نمت وتطورت مع المهنة نفسها لتصبح "جائزة الإعلام العربي".
منذ وقت مبكر، أدرك صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أن بناء مدينة المستقبل لا يكتمل بالاقتصاد والبنية التحتية فحسب، بل يتطلب أيضاً إعلاماً قادراً على مواكبة التحولات، وصناعة الحوار، وفتح الأبواب أمام المواهب العربية. من هذه الرؤية ولدت "جائزة الصحافة العربية"، قبل أن تتطور لاحقاً إلى "جائزة الإعلام العربي". لم تكن الجائزة مجرد تكريم سنوي لأفضل الأعمال والأسماء، بل كانت جزءاً من مشروع أوسع جعل من دبي ملتقى للإعلام العربي، وبيئة تحتضن المؤسسات والصحافيين للقاء والتنافس وتطوير أدواتهم.
لهذا السبب، تحمل الجائزة بالنسبة لنا في مجموعة "النهار" معنى يتجاوز الفوز والتكريم. فلـ"النهار" علاقة تمتد عبر الأجيال مع هذه الجائزة. كان غسان تويني، عميد "النهار"، من الأسماء التي احتفت بها الجائزة في مسيرتها، تقديراً لمدرسة صحافية جعلت من الكلمة مسؤولية وموقفاً. وبعد سنوات، تشرفتُ شخصياً بتكريمي "شخصية العام الإعلامية". لم أشعر يومها أن التكريم يخصني وحدي، بل رأيته تكريماً لـ"النهار"، لتاريخها، ولشهداء الصحافة، ولأجيال الصحافيين الذين حافظوا على رسالتها، وفي الوقت نفسه، مسؤولية تجاه ما يجب أن تكون عليه المؤسسة في المستقبل.
واستمرت العلاقة مع معالي منى غانم المري، رئيسة نادي دبي للصحافة ورئيسة جائزة الإعلام العربي، التي تحرص دائماً على كل ما من شأنه تطوير المهنة والجائزة. وكان لي شرف الانضمام إلى مجلس إدارة "جائزة الإعلام العربي". الإرث، بالنسبة لنا، ليس مكاناً للإقامة في الماضي، بل هو مسؤولية، وقيمته الحقيقية تكمن في القدرة على تطويره. لهذا، كانت السنوات الأخيرة في "النهار" سنوات تحول مستمر: من صحيفة ورقية إلى منظومة رقمية أوسع؛ ومن بيروت إلى حضور عربي يتجاوز الحدود؛ ومن "النهار" إلى "النهار العربي" التي افتتحت مكاتبها في الإمارات العربية المتحدة؛ ومن غرفة أخبار واحدة إلى شبكة من المكاتب والمراسلين والشراكات في عواصم عربية وعالمية.
لم يكن الهدف مجرد التوسع الجغرافي، بل الاقتراب أكثر من القصة العربية والعالمية، ومخاطبة الأجيال الجديدة، مع التأكيد على هوية مؤسسة بنت مكانتها على الحرية والاستقلالية والثقة. أما أن تمتلك "النهار" غرفة أخبار مدعمة بالذكاء الاصطناعي، فهذا يعني أننا قررنا الاستفادة من كل جديد لما فيه مصلحة المهنة، وإفساح المجال أمام مزيد من الابتكار، ودائماً تحت شعار "الإنسان أولاً وأخيراً".
في هذه الرحلة، بقيت الإمارات مكاناً ذا معنى خاص، لا يكتفي باستقبال الطموحات، بل يمنحها البنية والمساحة والشجاعة لتنمو. على مدى 25 عاماً، تغيرت المهنة جذرياً، واليوم يفرض الذكاء الاصطناعي أسئلة جديدة شائكة، وهنا تكمن قيمة جائزة الإعلام العربي الحقيقية: لم تكتفِ بحفظ ذاكرة الإعلام العربي، بل حاولت أن تبقى جزءاً من حركته نحو المستقبل. وهذا أيضاً هو التحدي الذي نراه أمام "النهار": أن نحمل تاريخنا وأن نحافظ على قيم الصحافة الأصيلة فيما نعيد ابتكار أدواتها وأشكالها.
في هذا العدد الخاص، لا ننظر فقط إلى ربع قرن مضى، بل إلى ربع قرن يبدأ الآن. نستعيد المحطات والأسماء التي صنعت جزءاً من تاريخ الجائزة والإعلام العربي، لكننا نسأل أيضاً: كيف ستبدو المهنة في عام 2051؟ من سيكون الصحافي؟ كيف ستعمل غرفة الأخبار؟ كيف سيصل الخبر إلى الجمهور؟ وأين ستبقى الحقيقة حين يصبح إنتاج النص والصورة والصوت متاحاً للآلة؟ ربما يكون الدرس الأهم الذي تجمع عليه تجربة الجائزة هو أن المستقبل لا يصل جاهزاً، بل يُصنع. ربع قرن كان كافياً لتغير الإعلام أكثر مما تخيلنا، والربع المقبل قد يغيره أكثر مما نستطيع اليوم أن نتوقع. لذلك، لا نحتاج إلى أن نسأل كيف سيكون إعلام 2051، بقدر ما نحتاج إلى أن نقرر منذ الآن أي دور نريد أن نلعبه في صناعته.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
منوعات