لبنان
سياسة

إسرائيل بين وهم القوة وواقع الخوف: كيف ربط المتطرفون عقل الأغلبية؟

النهار١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٢:٢٠ م0 مشاهدة
إسرائيل بين وهم القوة وواقع الخوف: كيف ربط المتطرفون عقل الأغلبية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "ما بين فرط القوة والخوف، ربط المتطرّفون رأس الغالبية الإسرائيلية!" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتجاوز الانتخابات الإسرائيلية مجرد التساؤل حول الفائز بالمقاعد، لتطرح سؤالاً أعمق: هل ستشكل هذه الانتخابات منعطفاً يحرر النخب الإسرائيلية من شرنقة القوة والخوف؟ قد يسقط نتنياهو، لكن دون رؤية استراتيجية للسلام، يظل التشاؤم هو السائد.

تُروى قصة عن تاجر في حي الحريقة بدمشق القديمة استشار خبيراً لتسعير سجادة كاشانية نادرة. طمع الخبير في السجادة، لكنه لم يملك ثمنها، فقدم تقديراً خيالياً يجعل بيعها مستحيلاً، في مقولة "ربط رأس التاجر" ليس بالقوة، بل بجعل الخوف من البيع المنصف والخسارة يتحكم بعقله. هذا بالضبط ما فعله إيتمار بن غفير ويحيى السنوار، حيث تخادما في ربط مجتمعاتهما بمزيج من القوة المفرطة والخوف الوجودي، حتى أصبح التخلي عن المنطق الأمني الصفري يبدو لمن "ربط رأسهم" أشد كلفة من أي سلام حقيقي في الإقليم.

في الماضي، سعى قادة مثل إشكول، إيبان، بن غوريون، بيريز، باراك، وأولمرت بجدية نحو مناخ سلمي إقليمي كشرط لازدهار التجربة الإسرائيلية، حتى لو اعتمد خيارهم على الردع لا الوفاق. لكن الخائف يخشى حتى مصافحة خصمه، حتى لو كانت يده على الزناد. بدأت هذه المعضلة عندما قرر العلمانيون والمعتدلون الإسرائيليون التعايش والتواطؤ مع المسيانيين العقائديين المتطرفين والخضوع لابتزازهم الدائم، بل قدموا لهم كل المغريات الاجتماعية والسياسية، ولم يثنهم حتى مقتل رابين عن ذلك.

منذ التسعينيات، لم تعد إسرائيل تبحث عن السلام، لكنها تواجه الآن أخطر لحظاتها. لم تعد إسرائيل 1948 هي ذاتها، فقد حدثت تحولات حاسمة في المجتمع مع تغير ديموغرافي تدريجي، وهجرة من أوروبا الشرقية، وتكاثر المجتمعات المحافظة. ومع انهيار المشروع القومي العربي والاتحاد السوفياتي، تصاعد غرور القوة، وصفا اليسار والوسط لصالح اليمين، لدرجة أن مفاوضين إسرائيليين يؤكدون أن الجيل الشاب الجديد "ما عاد يجد حاجة إلى السلام، فلماذا يقدّم أي تنازل؟".

كان ذلك انعطافاً عميقاً في رؤية إسرائيل لوجودها في الإقليم. فبدل البحث عن مناخ سلمي، استسلمت لمنطق تحصين القلعة وتوسيع أسوارها، مقابل إضعاف محيطها الاستراتيجي والمراهنة على التخادم والتعايش مع تطرف المقابل. بقي كلاهما يراهن على الحل الصفري، ووجد كلاهما في تطرف الآخر تبريراً لمزيد من التحصين والاستقطاب. وتجلى ذلك في شق السلطة الفلسطينية ودعم تجربة حماس مقابل إجهاض بديلها المعتدل، ثم الحرب الباردة مع إيران في سوريا ولبنان، ليَسود منطق القلعة المحاصرة والحاجة لتوسيع المجال الجغرافي، واستحال العيش مع المحيط بلا أسوار أعلى وأثقل. بل ذهبت نخب إسرائيلية، وعلى رأسها نتنياهو، إلى الحديث عن ضرورة تنويع التحالفات مع روسيا وأوروبا الشرقية والصين، إلى حد احتاجت فيه واشنطن نفسها إلى تذكير تل أبيب بمخاطر مشاركة منافسيها بالدخول إلى صلب المنظومة الأمنية الإسرائيلية.

ثم جاء السابع من أكتوبر تكريساً لهذا التخادم غير المعلن مع التطرف. وثُقبت نظرية السور بوسائل بدائية هائجة، وتشكّل مزيج سام من الخوف والحصار والقوة المفرطة. وبدل أن تحصل مراجعة ذاتية تعيد النظر في نظرية القلعة المعزولة وفي التعايش مع التطرف وإجهاض كل اعتدال في الخندق المقابل، أمعنت الحكومة الإسرائيلية في المنطق الصفري ذاته. كان ذلك حتى انفجرت الحرب على إيران، لتكتشف إسرائيل عالماً جديداً تماماً: لا هي قادرة على التخلي عن غطاء واشنطن والبحث عن بديل له، ولا هي قادرة على حسم الصراع بتهجير الفلسطينيين. وفيما تنكفئ أميركا نفسها على استراتيجيتها الإقليمية الخاصة، تكتشف إسرائيل متأخرة أنه حتى ترامب، الذي واكبها حتى آخر أهدافها، بدأ يجد فيها عبئاً على مشاريعه؛ بل تفاقمت أزمتها الديبلوماسية حتى تبخرت وزارة الخارجية الإسرائيلية بشكل شبه كامل. بل هي تقترب، بالانتصارات المتراكمة، وفرط قوتها المترافقة بنقص الحكمة، من نصر بيروس: الملك الذي أفنته انتصاراته قبل أن تُفنيه هزيمة واحدة.

بغض النظر عن المشروع النووي الإيراني، الذي لا تملك حتى أميركا تصوّراً جدياً عن مصيره، تنمو حول إسرائيل، كالفطر، مخاطر لا تحتاج إلى مفاعل ولا يورانيوم مخصّب: مسيّرة بثمن هاتف نقال، وصاروخ موجَّه بدقة كافية. لحظة الانتخابات هي لحظة يوضع فيها عقلها الجمعي على المحك، عشية انتخابات قد تُطيح نتنياهو، ولكني أشك في أن تُطيح المعضلة التي أورثها للبلاد. ليس سؤال الانتخابات الإسرائيلية من سيربح المقاعد؟ بل السؤال: هل تشكّل انعطافاً يفك ربطة الرأس ليخرج كتلة هامة من النخب الإسرائيلية من شرنقة القوة والخوف؟

رغم العمق الثقافي للشعب الإسرائيلي، فإن ما يدعوني للتشاؤم هو أن تجري هذه الانتخابات وسط جرعة هائلة من الانتهازية في صفوف النخب السياسية. بل يخشى منافسو نتنياهو، حتى ولو كذباً، الحديث عن سلام إقليمي، فيما يبحث كثير منهم، في الخفاء، عن جوازات سفر أجنبية بديلة. فيا لسخف نخبة تخشى كلمة "سلام" أكثر مما تخشى الصواريخ!

في عصر التحول الأميركي عن ضمانات الأمن التقليدية، تنتشر هذه المخاطر كالفطر، فلا يكفي رفع الأسوار لتحصين القلعة القديمة، ولن تكون القلعة، في أي حال، بديلاً من مناخ إقليمي آمن. لا الأسوار تحمي ولا التقنية تمنح الحصانة لتعوّض غياب السلام. حين اقترب إسحق رابين من السلام قائلاً "مقدَّر لهم أن يعيشوا معاً على التراب نفسه والأرض نفسها"، اغتاله متطرف. لم تتعب النخب الإسرائيلية نفسها في تعلم العبرة. القضاء على التطرف، على جانبي الصراع، ليس عملاً انتقامياً، بل هو ذاته العمل من أجل السلام؛ فمن دون تفكيك المشروعين المسيانيين المتقابلين معاً، تبقى إسرائيل ذاتها رهينة الجزء الأكثر بؤساً في شرق أوسط بائس، وبدورها تبقى المنطقة بأسرها رهينة إسرائيل التي لم تحسم صورة ذاتها.

حتى لو سقط نتنياهو غداً، يجعلني ذلك الغياب الحقيقي لجيل قيادي بديل، وبوجود نخب لم تدرك بعد رباط الخوف وعنجهية القوة على رأسها، متشائماً. ومثلها مثل قادة حماس، تنافق مهما كانت الكلفة ولا تجرؤ على مجابهة جمهورها بحقائق الصراع. إن كانت إسرائيل لا تزال تريد الازدهار في عالم متحوّل وسوق شرق أوسطية سائلة، فستكون خيارات الانتخابات وما بعدها حكماً مصيرياً. فمهما علا ثمن السجادة تبقى عرضة للتلف حتى لو كانت في قبو عميق في قعر قلعة محصنة. وكالعادة، آمل أن أكون مخطئاً!

شارك الخبر: