غضب المحروقات يتصاعد في سوريا: من حقول النفط إلى المعابر الحدودية


هذا الخبر بعنوان "من حقول النفط إلى المعابر... غضب المحروقات يتمدّد في سوريا" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتّسع احتجاجات المحروقات في سوريا لليوم الثاني على التوالي، لتشمل نقاطاً أكثر حساسية مرتبطة بحركة التجارة والنفط. فقد أغلق متظاهرون معبر باب السلامة الحدودي مع تركيا، وقطعوا طريق حقل العمر النفطي عند دوار العزبة، بالإضافة إلى إغلاق الطريق المؤدي إلى منفذ البوكمال الحدودي مع العراق بالإطارات المشتعلة. وفي تل تمر، منع الأهالي صهاريج النفط من المرور على الطريق الدولي M4، بينما نفذ سائقون وأصحاب شاحنات احتجاجاً على طريق معبر جرابلس، وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان.
ويشير انتقال التحركات إلى المعابر وطرق الحقول إلى اتساع دائرة الضغط على الحكومة السورية، بعد يوم أول شهدت فيه ثماني محافظات تحركات احتجاجية. وسُجلت يوم الاثنين تحركات في معرة حرمة بريف إدلب، والكرامة بريف الرقة، وتل حميس في الحسكة، فيما شهدت دير الزور وقفات في السويعية والشنان والطيانة وذيبان والشحيل والصور والمحيميدة، رُفعت خلالها شعارات مثل "النفط نفطنا والغاز غازنا".
زيادتان في تسعة أيام
بدأت موجة الاحتجاج بقطع طرق رئيسية، منها طريق دمشق-حلب قرب معرة النعمان، إلى جانب تظاهرات وإشعال إطارات وامتناع سائقين عن العمل في عدد من المناطق. وسرعان ما انعكس ارتفاع تكاليف التشغيل على حركة النقل، قبل أن تتوسع التحركات في اليوم التالي نحو المعابر وطرق النفط.
بدأ الغضب بعد رفع سعر ليتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية جديدة، بزيادة 40%، وسعر بنزين 95 من 152 إلى 195 ليرة، وبنزين 90 من 147 إلى 185 ليرة. وجاءت هذه الزيادة بعد نشرة أسعار سابقة صدرت في 4 أيلول/سبتمبر، مما يعني أن أسعار المحروقات ارتفعت مرتين خلال تسعة أيام.
ربطت وزارة الطاقة الزيادة بارتفاع كلفة تأمين المشتقات المكررة عالمياً، واضطراب الإمدادات وطاقات التكرير، في ظل الضغوط التي فرضتها حرب إيران واضطراب الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب. وتزامنت الضغوط الخارجية مع دخول مصفاة بانياس في عمرة شاملة تستمر نحو شهرين، مما يخفض قدرة التكرير المحلية ويرفع الحاجة إلى استيراد مشتقات جاهزة. وتفيد الوزارة بأن حاجة سوريا تبلغ نحو 300 ألف برميل يومياً من النفط ومشتقاته، مقابل إنتاج محلي من الخام يقارب 100 ألف برميل، فيما تعتمد البلاد على الاستيراد لتأمين نحو 60% من المازوت وثلث البنزين.
كلفة عالمية وصدمة محلية
وفرت الحرب عاملاً حقيقياً لارتفاع الكلفة، فقد تجاوز خام برنت مئة دولار، فيما تعرضت أسواق المازوت والبنزين لضغوط أشد بفعل تضرر طاقات التكرير واضطراب طرق الإمداد وارتفاع أجور الشحن والتأمين. لكن نقل هذه الضغوط إلى السوق المحلية خلال فترة قصيرة جعل أثرها أكثر حدة، خصوصاً أن الحرب مستمرة منذ شباط/فبراير، وأن عمرة بانياس كانت معلنة قبل صدور التسعيرة الأخيرة. وهكذا تحولت أزمة عالمية ممتدة إلى صدمة سعرية محلية جاءت فوق قدرة شرائية منهكة أصلاً.
وتظهر حساسية القرار بصورة أكبر في المناطق الشرقية، حيث تتجاور حقول النفط مع بلدات تعتمد الزراعة والري والنقل والمياه فيها بصورة كبيرة على الوقود. ويغذي هذا الواقع شعوراً لدى السكان بأنهم يعيشون فوق مناطق إنتاج الطاقة، فيما ترتبط كلفة حاجاتهم اليومية بالاستيراد وتقلبات السوق العالمية، من دون أن تنعكس الثروة المحلية بصورة كافية على الخدمات والدخل والبنية التحتية.
غضب أقدم من التسعيرة
جاءت الزيادة فوق تراكم من الأزمات سبق القرار الأخير بأشهر. ففي أيار/مايو، احتج مزارعو الرقة ودير الزور على تسعيرة القمح، وربطوا خسائرهم بارتفاع كلفة الوقود والأسمدة والنقل، ثم تأخر دفع أثمان محاصيل عدد من الفلاحين. وعانت الحسكة نقص المازوت المدعوم وإضرابات النقل وانقطاع الوقود عن المولدات والأفران والمطاحن. وفي دير الزور، أضافت تداعيات الفيضان وتردي الطرق وتكرار الحوادث المرورية والارتباك المتصل بتبديل العملة أسباباً إضافية للاحتقان.
وحملت الشعارات خلال الاحتجاجات مستويات مختلفة من الاعتراض. ركز بعضها على خفض الأسعار وإقالة وزير الطاقة، فيما انتقلت أخرى إلى انتقاد شرعية القرار وطريقة إدارة السلطة. وتحدث محتجون عن "سلطة غير منتخبة لا تمثل الشعب"، وانتقدوا مجلس الشعب بسبب "عجزه عن ممارسة رقابة فعلية على الحكومة". ويقول أحد المحتجين لـ"النهار" إن "الخارج وأميركا لن يفيدا الحكومة بقدر ما يفيدها شعبها".
وتأتي هذه الانتقادات في ظل صيغة انتقالية اختارت فيها هيئات ناخبة غير مباشرة ثلثي أعضاء مجلس الشعب، فيما عيّن الرئيس أحمد الشرع الثلث الباقي. وتزامن ذلك مع إقرار عضو المجلس كنان النحاس بأن حجب المعلومات والبيانات عن الأعضاء يعرقل قدرتهم على أداء دورهم الرقابي.
الاستجابة الحكومية
ركزت الاستجابة الحكومية الأولى على إعادة فتح الطرق والحد من انعكاس زيادة المحروقات على الخبز، مع تثبيت سعر الربطة وزيادة دعم الدقيق. وفي مجلس الشعب، تحرك نواب لمساءلة وزير الطاقة بشأن أسباب الزيادة وتوقيتها وتداعياتها على المواطنين. وكشف اتساع الاحتجاجات أن الاعتراض تجاوز تسعيرة جديدة للمحروقات. فالزيادة اصطدمت بأجور متدنية وخدمات متراجعة وحقوق متأخرة وضعف في شبكات الحماية الاجتماعية، وحوّلت ضغطاً اقتصادياً خارجياً إلى موجة غضب كشفت حجم التراكم الداخلي.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد