لبنان
سياسة

اليمن: معركة الوعي الأخيرة لإنقاذ جيل ومستقبل وطن

النهار١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٥:٢٨ ص0 مشاهدة
اليمن: معركة الوعي الأخيرة لإنقاذ جيل ومستقبل وطن

تنويه

هذا الخبر بعنوان "اليمن... المعركة الأخيرة على مستقبل وطن" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

إن الصراع الدائر في اليمن لا يقتصر على مواجهة ميليشيا مسلحة فحسب، بل يمتد ليشمل آثار عملية طويلة الأمد تهدف إلى إعادة تشكيل وعي جيل كامل. جيلٌ يُلقّن أن المختلف عدو، وأن اليمن الآخر خصم، وأن العالم برمته مؤامرة، وأن القوة هي اللغة الوحيدة الممكنة.

عندما نرى أطفالاً وصغار السن، الذين زجّت بهم ميليشيا الحوثي في ساحات القتال، يغمرني مزيج من الفزع والحزن. أتأمل وجوههم البريئة، وأعمارهم التي كان يجب أن تُكرّس للعلم واللعب واستكشاف الحياة، فإذا بها تحمل السلاح، وتردد شعارات الموت، وتخوض حرباً لا تعرف بدايتها ولا نهايتها. هؤلاء الصغار هم أولى ضحايا هذه الحرب، وهم في الوقت ذاته أخطر تحديات اليمن الحاضرة والمستقبلية.

فالطفل الذي لم يعش سوى خطاب عبد الملك الحوثي، وتغذّى على خطاب الكراهية والتعبئة والتمييز، وتعلم أن هناك جماعة واحدة تملك الحقيقة وأن الآخرين أعداء، ليس مجرد ضحية للحظة الراهنة، بل هو مأساة وقنبلة موقوتة تتجه نحو المستقبل. علينا أن نتوقف أمام حقيقة قاسية: أحد عشر عاماً من اختطاف الدولة، اختُطف معها جيل كامل. الأطفال الذين كانوا في الثامنة والتاسعة والعاشرة من عمرهم عند بدء هذه المأساة، أصبحوا اليوم في التاسعة عشرة والعشرين والحادية والعشرين. بعضهم تحول إلى مقاتل، وآخرون تلقوا تدريباً عسكرياً، وعاشوا سنوات طويلة في بيئة مغلقة على خطاب ديني وسياسي يقوم على الاصطفاء، وتقسيم المجتمع إلى مؤمنين وأعداء، وتصوير المشروع الحوثي كأنه قدر إلهي لا يقبل الاعتراض. وهنا تكمن الكارثة الأكبر.

نحن لا نواجه ميليشيا مسلحة فحسب، بل نواجه آثار عملية طويلة لإعادة تشكيل وعي جيل كامل. جيل يتعلم أن المختلف خصم، وأن اليمن الآخر عدو، وأن العالم كله مؤامرة، وأن القوة هي اللغة الوحيدة الممكنة. عندما ترى فتىً في مقتبل العمر يرفع السلاح بدلاً من الكتاب، ويردد خطاباً مشبعاً بالكراهية، ويؤدي تحية مستوردة من قاموس الفاشيات، لا تستطيع أن تنظر إليه كرقم في معادلة عسكرية. إنه طفل اختُطف أولاً، ثم جرى تحويله إلى مقاتل. وهذه هي المأساة التي يجب ألا تغيب عن أعيننا.

لقد خسر اليمن خلال هذه السنوات أرواحاً وبيوتاً ومدناً واقتصاداً ومؤسسات، لكن الخسارة الأعمق ربما تكون تلك التي لا تُرى بسهولة: خسارة الإنسان اليمني نفسه، وخسارة جيل كامل يجري تشكيل وعيه بعيداً عن فكرة الدولة والمواطنة والتعدد. ولهذا فإن أي معركة حالية مع الحوثيين لا ينبغي أن تُقرأ فقط من زاوية ما يحدث في خطوط النار. معركة الوعي هي معركة على شكل اليمن الذي سيأتي بعد الحرب. فإذا انتهت المواجهة بتثبيت الأمر الواقع، أو بتسوية تمنح هذا المشروع القدرة على الاستمرار في إعادة إنتاج نفسه، دون معالجة جذور المشكلة الفكرية والاجتماعية، فإننا نكون قد أوقفنا حرباً لكي نترك وراءها حروباً أخرى مؤجلة. قد يسكت المدفع، لكن الكراهية ستظل تتحدث. وقد تتوقف الجبهات، بينما تستمر الجبهة الأخطر: جبهة العقل والوعي.

وهنا يصبح واجباً على اليمنيين ألا يتركوا هذه القضية للمعالجة العسكرية وحدها. نحن بحاجة إلى مواجهة فكرية جادة، وخطاب إعلامي مسؤول ومدروس، ومشروع وطني يعيد تعريف معنى اليمن لدى هذا الجيل. لابد أن تنتصر الدولة في هذه المواجهة العسكرية اليوم، من أجل إنقاذ حاضر مؤلم ومستقبل أهم. ننتصر بقيم العدل والحق وبناء الدولة لأننا نحتاج إلى المدرسة قبل البندقية، وإلى الكتاب قبل الشعار، وإلى الحوار قبل التعبئة، وإلى دولة يشعر فيها الطفل أن مستقبله لا يحتاج إلى أن يكون تابعاً لجماعة مسلحة كي يكون له مكان في وطنه.

كما أن النخب السياسية والثقافية والاجتماعية والإعلامية مطالبة بأن تقوم بدورها. لا يكفي أن نتحدث عن الانتصار العسكري، بينما نترك ملايين العقول الصغيرة تتشكل في الفراغ. الانتصار العسكري اليوم هو الخطوة الأولى نحو المهمة الأكبر: مهمة استعادة جيل. ولهذا أقول إن المعركة الحالية هي، بالنسبة إلى اليمن، المعركة الأخيرة؛ ليس بمعنى أنها آخر معركة بالسلاح، بل لأنها قد تكون الفرصة الأخيرة لإنقاذ ما تبقى من فكرة الدولة، ومن ذاكرة التعايش، ومن مستقبل جيل كامل. فإن فشلنا في مواجهة هذا المشروع بكل أدوات السياسة والفكر والثقافة والإعلام والتعليم، فلن نخسر سنوات أخرى فقط. قد نخسر عقوداً. وقد يستيقظ اليمن ذات صباح، بعد أن يكون غبار الحرب قد هدأ، ليكتشف أن الحرب لم تنتهِ؛ لأنها انتقلت من الجبهات إلى العقول، ومن الخنادق إلى البيوت، ومن جيل إلى جيل. وهذا هو الخطر الذي يجب أن نراه الآن، قبل أن يصبح واقعاً يصعب إصلاحه. اليمن يحتاج أن ينتصر في المعركة على الأرض، أولاً، ويحتاج أكثر إلى أن يستعيد الإنسان الذي اختُطف في هذه الحرب، وأن ينقذ الطفل قبل أن يكبر وهو يعتقد أن الكراهية وطن، وأن الآخر عدو، وأن البندقية قدر.

شارك الخبر: