جلسة البرلمان: صراع سياسي حول السلطة والسلاح وليس مساءلة للحكومة


هذا الخبر بعنوان "جلسة النواب: مبارزة سياسية أكثر منها مساءلة للحكومة" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تسفر جلسة المناقشة العامة في مجلس النواب عن تغيير في المشهد السياسي القائم، ولم تكن مصممة لإحداث ذلك أصلاً. سعت القوى الداعمة للحكومة إلى ترسيخ شروط استمرارها وتوجيهها نحو تعزيز سلطة الدولة وحصرية السلاح. في المقابل، هدفت المعارضة، بقيادة "التيار الوطني الحر" و"حزب الله"، إلى تسجيل موقف سياسي وإعلامي بارز في قضايا التفاوض والسلاح والاقتصاد.
لم تكن الجلسة أقرب إلى مساءلة فعلية للحكومة بقدر ما كانت فرصة لإعادة ترتيب الاصطفافات السياسية للمرحلة المقبلة. ركزت القوى السيادية في مداخلاتها على قضايا حصرية السلاح، قرار الحرب والسلم، وبسط سلطة الدولة. بينما اختار "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" مهاجمة مسار التفاوض و"اتفاق الإطار"، بالإضافة إلى الملفات المعيشية والمالية والكهرباء.
بدا واضحاً أن المبارزة كانت سياسية وإعلامية بالدرجة الأولى، وليست محاولة لتغيير موازين القوى، في ظل إدراك الجميع بأن حكومة نواف سلام ستحصل في النهاية على ثقة المجلس وتضمن استمرار الأغلبية الداعمة لها. ومع ذلك، شهدت الجلسة سجالات حادة استدعت تدخل رئيس مجلس النواب نبيه بري عدة مرات لضبط الإيقاع والتذكير بأن الجلسة مخصصة للمناقشة العامة وليست للاستجواب أو المساءلة. حاول بري حصر الكلمات ومنع تحول القاعة إلى ساحة سجالات، بعدما بدا منذ البداية أن الملفات السياسية الكبرى ستطغى على تقييم أداء الحكومة.
في الضفة السيادية، كان عنوان حصر السلاح وقرار الحرب والسلم هو الأكثر حضوراً. خاطب رئيس حزب الكتائب سامي الجميل رئيس الحكومة بوضوح قائلاً: "لا أقول لك استقل، بل أقول لك احكم"، معتبراً أن أمام الحكومة فرصة لبناء الدولة وفرض هيبتها والقانون والدستور على الجميع. وحذر من أن الفشل في تنفيذ قرارات الدولة قد يدفع لبنان نحو التفكك، مؤكداً أن دعم الكتائب للحكومة مرتبط بكونها، في نظره، "آخر فرصة لبناء دولة لبنان".
أما النائب جورج عدوان، فقد زاد من الضغط السياسي سائلاً سلام كيف "يتجرأ" على حصر السلاح، قبل أن يؤكد أن اللبنانيين يطالبونه بالاستمرار في هذا المسار، في رسالة تعكس بوضوح أن جزءاً أساسياً من المعارضة لا يريد إسقاط الحكومة بقدر ما يريد دفعها إلى استكمال خيارها السيادي.
في السياق نفسه، قدم إبراهيم كنعان دعماً واضحاً للمسار التفاوضي الذي تقوده الدولة، مشدداً على أن التفاوض المسؤول، إذا قام على تحرير الأرض، الإفراج عن الأسرى، تعزيز الجيش، حصر السلاح بيده، وتمويل الإعمار، "ليس ضعفاً ولا تنازلاً". لكنه في الوقت نفسه طالب المجتمع الدولي بتحويل دعمه للجيش إلى تمويل وتجهيز والتزامات فعلية.
في المقابل، ركز نواب "حزب الله" على سؤال مختلف: ماذا فعلت الدولة لتسليح الجيش والدفاع عن الأرض؟ سأل إبراهيم الموسوي: "تسألون ماذا فعلت المقاومة؟ ونحن نسأل ماذا فعلت الدولة؟"، فيما اعتبر حسن عز الدين أن إسرائيل هي أساس البلاء في لبنان، وأن "اتفاق الإطار" جرى من دون امتلاك لبنان لأوراق قوة، محذراً من أن الرهان على إضعاف المقاومة خاسر.
أما جبران باسيل، فاختار فتح مواجهة شاملة مع الحكومة، واضعاً "اتفاق الإطار" في صلب انتقاداته. اعتبر أن الحكومة انتقلت من شعار الحياد إلى "حكومة المحاور"، ومن السيادة إلى "الخضوع للخارج"، واتهمها بأنها لم تضع استراتيجية أمن قومي رغم تعهدها بذلك. وفي المقابل، أعلن تأييده لحصرية السلاح، لكن بشرط أن تتم عبر مسار داخلي لا يقود إلى حرب أهلية، مبدياً تحفظه عن الإطار التفاوضي إلى حين الاطلاع على ملحقه الأمني.
حاول رئيس الحكومة نواف سلام نقل النقاش من المبارزة السياسية إلى حصيلة حكومته، واضعاً الحرب، الإعمار، الإصلاح، وحصرية السلاح في مسار واحد. قال إن الحرب الأخيرة "لم نخترها" وإن تكلفة الحربين تجاوزت 20 مليار دولار، محذراً من أن لبنان لا يستطيع تمويل إعادة الإعمار من موارده الذاتية، وأن أي تعافٍ يحتاج إلى ثقة خارجية وإصلاحات واتفاق مع صندوق النقد.
في الملف الأكثر حساسية، جدد سلام التزام حكومته ببسط سلطة الدولة على كامل الأراضي وحصر قرار الحرب والسلم والسلاح بها، مؤكداً أن رئيس الجمهورية يتولى، بالتنسيق معه، المفاوضات برعاية أميركية، وأن الدولة اللبنانية "وحدها دون سواها" تفاوض باسم لبنان.
كان الأبرز توضيحه لطبيعة "الإطار الثلاثي"، قائلاً إنه ليس اتفاقاً قانونياً ولا اتفاقية منجزة، بل "إطار سياسي" يشكل مرجعاً للمسار التفاوضي، ويتضمن تدابير تنفيذية يفترض أن تقود إلى انسحاب إسرائيلي تدريجي وانتشار الجيش اللبناني.
في موازاة ذلك، حاول سلام الدفاع عن سجل حكومته في الكهرباء، الإصلاح المالي، وإدارة النزوح، وربط إعادة الإعمار بالإصلاح والثقة والتمويل، في مواجهة سيل الانتقادات النيابية. أما إبراهيم كنعان، فاختار أن يجعل من ملف الودائع والإصلاح المالي ساحة المواجهة الثانية، رافضاً تحميل المجلس مسؤولية التأخير، ومشدداً على أن أموال المودعين ليست "خسائر مجهولة الهوية"، فيما حذر ميشال ضاهر من أزمة اجتماعية متفاقمة، داعياً إلى معالجة الكهرباء وفتح الباب أمام القطاع الخاص.
في المحصلة، لم تغيّر جلسة المناقشة العامة شيئاً في المعادلة السياسية القائمة، ولم تكن أصلاً مهيأة لذلك. القوى الداعمة للحكومة أرادت تثبيت شروط استمرارها ودفعها في اتجاه الدولة وحصرية السلاح، فيما أرادت المعارضة، ولا سيما "التيار الوطني الحر" و"حزب الله"، تسجيل موقف سياسي وإعلامي في ملفات التفاوض والسلاح والاقتصاد. وبينهما، نجح بري إلى حد كبير في منع السجالات من ابتلاع الجلسة بالكامل، فيما بقيت النتيجة الأوضح أن الحكومة ستخرج منها كما دخلت: بأكثرية نيابية تضمن استمرارها، وبملفات أكبر بكثير من قدرة أي جلسة برلمانية على حسمها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة