لبنان
سياسة

جان عزيز يحذر: اتفاق السلام مع لبنان قد يعزز رواية حزب الله إذا لم تُلبَّ الشروط اللبنانية

المدن١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٢٠ ص0 مشاهدة
جان عزيز يحذر: اتفاق السلام مع لبنان قد يعزز رواية حزب الله إذا لم تُلبَّ الشروط اللبنانية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "جان عزيز: لا تدعوا اتفاق السلام مع لبنان يثبت رواية حزب الله" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

حذر مستشار رئيس الجمهورية، جان عزيز، في مقال نشره على موقع "Just Security"، من أن اتفاق السلام مع لبنان قد يساهم في ترسيخ رواية حزب الله إذا لم يتم التعامل مع مسألة إنهاء سلاح الحزب بمعزل عن الانسحاب الإسرائيلي الكامل وتعزيز وجود الدولة اللبنانية. وأشار عزيز إلى أن استمرار الاحتلال والعمليات الإسرائيلية يمنح حزب الله مبرراً سياسياً للاستمرار في التسلح، مؤكداً على ضرورة دعم الجيش اللبناني وإعادة الإعمار وتقوية مؤسسات الدولة لتمكين لبنان من استعادة دوره الأمني والسياسي وإضعاف مبررات وجود السلاح خارج الدولة.

وأوضح عزيز أن مسار الاتفاق، الذي دخل لبنان وإسرائيل في أحد أهم بنوده قبل ستة أسابيع، بدأ يتعثر بالفعل، حيث انتهت جولة المحادثات التي رعتها الولايات المتحدة في روما دون اتفاق على توسيع "المناطق التجريبية" التي يفترض أن تنسحب منها القوات الإسرائيلية ويتولى الجيش اللبناني السيطرة عليها. وتطالب إسرائيل بأن يثبت الجيش اللبناني سيطرته الفعلية على المناطق التي سُلّمت إليه، بالتوازي مع تقدم في نزع سلاح حزب الله، قبل التخلي عن مزيد من الأراضي. في المقابل، يرى الموقف اللبناني أن الجيش لا يستطيع الانتشار بشكل كامل في أراضٍ لا تزال القوات الإسرائيلية تحتلها، مما يهدد المنطق السياسي للاتفاق برمته.

كان من المفترض أن يتيح الإطار المتفق عليه انتقالاً تدريجياً في جنوب لبنان يشمل انسحاب القوات الإسرائيلية، وتوسيع نطاق سلطة الجيش اللبناني، وعودة المدنيين، وبدء إعادة الإعمار، ومعالجة مسألة الأسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة. لكن إسرائيل تتعامل مع الانسحاب كأمر يجب على لبنان استحقاقه أولاً عبر إثبات سيطرته على أراضٍ لا يملكها بالكامل بعد. وفي الوقت نفسه، استمرت العمليات العسكرية، حيث قُتل جنديان إسرائيليان في انفجار داخل لبنان، أعقبه شن غارات إسرائيلية في الجنوب، وسجلت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) 113 مقذوفاً إسرائيلياً في يوم واحد، وهو ما كان الاتفاق يفترض أن يضع حداً له.

وأبرز عزيز أهمية زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن في 21 تموز/يوليو، والتي بدت وكأنها أرست الدعم السياسي الأميركي اللازم لجعل عملية الانتقال اللبنانية الممكنة. وقد تعهد الرئيس دونالد ترامب بمساعدة لبنان، فيما سعى عون إلى استمرار الدعم الأميركي للجيش اللبناني والضغط من أجل انسحاب إسرائيلي كامل.

ويخضع هذا التفاهم للاختبار اليوم، حيث يريد لبنان بسط سلطة الدولة على كامل أراضيه، وتولي الجيش اللبناني المسؤوليات الأمنية. كما يريد معالجة مسألة سلاح حزب الله من خلال مسار يؤدي إلى استعادة الدولة احتكار القوة المسلحة. لكن النية السياسية وحدها لا تكفي، فلا يمكن للدولة اللبنانية أن تطلب بصورة مقنعة من المجتمعات المحلية دعم نزع السلاح فيما تبقى القوات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية وتستمر العمليات العسكرية. ومن هنا يجب أن يبدأ النقاش حول إنهاء الدور العسكري لحزب الله، والذي لا يعني ببساطة جمع الأسلحة، بل إنهاء الوظيفة الحمائية التي طالما قيل إن هذه الأسلحة تؤديها، حيث لطالما برّر حزب الله ترسانته بحجة عجز الدولة عن حماية الأراضي اللبنانية من إسرائيل.

وشدد عزيز على أن أي مسار جدي لإنهاء الدور العسكري لحزب الله يجب أن يعالج هذه الحجة، لا أن يكتفي بإدانتها. وهذا لا يمنح حزب الله حقاً غير محدد زمنياً في الاحتفاظ ببنية مسلحة خارج سلطة الدولة، بل يعترف بأن الدولة اللبنانية إذا أرادت استبدال منطق المقاومة المسلحة بمنطق الدولة، فعليها أن تثبت أن مؤسسات الدولة قادرة على تحقيق النتائج الأمنية التي يقول منطق المقاومة إن الأسلحة التي يملكها حزب الله وحدها قادرة على توفيرها. وتصبح هذه المهمة أصعب بكثير عندما يُجعل الانسحاب مشروطاً مسبقاً بإجراءات لبنانية، مما يهدد بخلق حلقة مفرغة تعزز نفسها بنفسها.

وأشار إلى أن إسرائيل تشير إلى سلاح حزب الله كسبب للبقاء، ويشير حزب الله إلى استمرار الوجود الإسرائيلي كسبب لاستمرار التسلح، وبين الطرفين تقف دولة لبنانية يُطلب منها تفكيك أحد طرفي المعادلة دون منحها الوسائل لإزالة الطرف الآخر. وإذا استمر هذا الوضع، فلن يؤدي الاتفاق إلى إضعاف رواية حزب الله عن المقاومة، بل سيزوده بأدلة جديدة تعززها.

وفيما يتعلق بقدرات حزب الله، أوضح عزيز أنه بُنيت على مدى عقود من خلال الدعم المالي والعسكري والأيديولوجي الإيراني، ولا سيما من جانب الحرس الثوري الإسلامي، مما ربط الأمن اللبناني باستراتيجية ردع إقليمية صيغت خارج لبنان. لكن حزب الله أصبح أيضاً متجذراً داخل المجتمع اللبناني، حيث طوّر مؤسسات سياسية وشبكات اجتماعية وأنظمة للرعاية والحماية داخل مجتمعات كانت الدولة فيها ضعيفة أو غائبة. وبالتالي، فإن أي انتقال جدي بعيداً عن الدور المسلح لحزب الله يجب أن يمنح مؤيديه داخل المجتمع الشيعي الثقة بأن حمايتهم ومكانتهم السياسية ومصالحهم الاجتماعية والاقتصادية لن تتراجع. وأقر الرئيس عون نفسه بهذا التعقيد، مما يجعل اختزال المسألة في أمر بتسليم السلاح أمراً غير قابل للتطبيق بصورة جدية.

ودعا عزيز إلى عملية شاملة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، لا للحفاظ على الاستقلالية العسكرية لحزب الله تحت اسم آخر، بل لضمان أن إنهاء هذه الاستقلالية يعزز الجمهورية بدلاً من إنتاج دورة جديدة من عدم الاستقرار. ويعني ذلك إيجاد الظروف التي تستطيع فيها مؤسسات الدولة فعلياً أن تحل محل الوظائف التي أدتها الهياكل الموازية، وتوفير مستقبل مدني موثوق للمقاتلين، وخدمات عامة فاعلة للمجتمعات، وإعادة إعمار وفرص عمل للبلدات الجنوبية، ورؤية قدرة الدولة على حمايتهم للمواطنين.

ومن هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل بمعزل عن إنهاء الدور العسكري لحزب الله، بل كأحد الشروط التي تجعل إنهاء هذا الدور قابلاً للتطبيق سياسياً. ولهذا، فإن الالتزامات التي قُطعت خلال زيارة الرئيس عون إلى واشنطن أصبحت أكثر أهمية. حيث يريد لبنان للجيش اللبناني أن يوسع سلطة الدولة، ويريد إخضاع الأسلحة للمؤسسات الشرعية، لكنه يفتقر إلى الشروط المادية والسياسية اللازمة لاستكمال هذا الانتقال. ويمكن للولايات المتحدة أن تؤثر في الأمرين معاً، من خلال تحويل تعهد ترامب بدعم لبنان والجيش اللبناني إلى مساعدات عسكرية وتدريب ودعم مؤسسي مستدام.

كما لا يمكن فصل المسألة العسكرية عن إعادة الإعمار، حيث يتطلب تمويل إعادة الإعمار، وبلديات قادرة على أداء مهامها، وإصلاحاً اقتصادياً، ومؤسسات عامة قادرة على تقديم الخدمات. وهذه ليست مسائل تنموية هامشية، بل هي عوامل تحدد ما إذا كان انتقال السلطة من حركة مسلحة قادراً على الاستمرار. ويتطلب تجنب النتيجة السلبية لمعادلة المأزق الحالي معاملة بالمثل على أرض الواقع، لا على الورق فحسب. يحتاج لبنان إلى مؤسسات أقوى، وجيش قادر، وإصلاح اقتصادي، ومسار جدي لمعالجة مسألة الأسلحة الخارجة عن سلطة الدولة بصورة نهائية. وتحتاج الولايات المتحدة إلى مواصلة دعمها واستخدام نفوذها للحفاظ على مسار الانسحاب الإسرائيلي. وتحتاج إسرائيل إلى التخلي عن الأراضي اللبنانية، بدلاً من استخدام استمرار احتلالها ورقة ضغط.

وأكد عزيز أن السلام الدائم لا يزال يتطلب معالجة مسألة الاحتلال، بدلاً من إدارتها إلى أجل غير مسمى. ولا يمكن فصل سلام لبنان وأمنه بالكامل عن تلك التسوية الأوسع. كما لا يمكن بناء لبنان ذي سيادة على أساس دورة دائمة يُستند فيها إلى العمل العسكري الإسرائيلي لتبرير استخدام أسلحة خارج سلطة الدولة، ثم يُستند إلى تلك الأسلحة نفسها لتبرير استمرار العمل العسكري الإسرائيلي. وقد أتاح الاتفاق الذي وُقّع هذا الصيف فرصة نادرة للبدء في تفكيك هذه الحلقة، والتي يتطلب نجاحها أن يرى اللبنانيون أن الدولة قادرة على استعادة أراضيها عبر الدبلوماسية، وحمايتهم من خلال مؤسسات وطنية، وتقديم بديل أكثر استدامة من رواية الصراع الدائم التي يسعى حزب الله إلى إعادة بنائها.

شارك الخبر: