لبنان
ثقافة

حلب بين دمار الحجر وتآكل المعنى: كيف تبحث الشهباء عن روحها مجدداً؟

المدن٢٤ أيلول ٢٠٢٦ في ١١:٥٧ ص0 مشاهدة
حلب بين دمار الحجر وتآكل المعنى: كيف تبحث الشهباء عن روحها مجدداً؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "هل خسرت حلب أجزاءً من معناها؟" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

حين سمّت دمشق شارعاً باسم حلب، لم تكن تمنح المدينة الشمالية مكاناً في قلب العاصمة فقط، بل كانت تعترف ضمناً بأن بعض المدن لا تقف عند حدودها الجغرافية. لقد خرجت حلب من حدودها منذ أمد بعيد، حاملة معها طرق التجارة، والحرف، والموسيقى، والمطبخ، اللهجات، والعائلات التي صاغت تركيبتها الفريدة. إلا أن المدن لا تُقاس بما تتركه خلفها من آثار حجرية فحسب، بل بما تغرسه في وجدان من عاشوا فيها؛ ولهذا، فإن خسارة أي مدينة تعني فقدان جزء من الهوية الشخصية المرتبطة بها.

لم تكن حلب ودمشق تتقاسمان الدور ذاته في التاريخ السوري؛ فبينما مثلت دمشق مركز الثقل السياسي والديني، شيدت حلب مجدها على التجارة، والحرف، وشبكات الطرق التي تربطها بالأناضول، والعراق، وبلاد فارس، والبحر المتوسط. وعلى الرغم من تغير الظروف التاريخية وظهور نزعات مركزية في دمشق، ظلت حلب تمثل حاضنة اجتماعية لتلاقي المختلفين من عرب، وأرمن، وسريان، وأكرد، حيث تداخلت اللغات، والمطابخ، والفنون لتصبح عادة يومية مألوفة وليست مجرد فكرة شعاراتية.

هذا التنوع عاشه الكاتب والمسرحي رافي ميناس، المولود في حي السريان القديمة لأب سرياني وأم أرمنية، والذي غادر إلى كندا خلال الحرب لكن حلب ظلت حاضرة في تفاصيل حياته اليومية عبر الذكريات والاتصالات الهاتفية مع والده. كان رافي يخشى العودة ليس فقط لعدم انتماء المدينة له، بل خوفاً من صدمة غياب الأماكن التي تحمل ذاكرته، متذكراً تفاصيل ساحة الحطب وما تضمه من طوائف وطبقات ومهن متعددة شكلت فسيفساء حية.

في زيارة ميدانية للمدينة، تتكشف أبعاد السؤال الذي تطرحه حلب اليوم؛ ففي ساحة باب الفرج يقف فندق الشيراتون شامخاً بجوار الدمار الهائل الذي لحق بالمدينة القديمة، بينما تشهد بعض المنازل شبه المدمرة، مثل ذلك المنزل الذي ازدانت شرفته باللون الأصفر وحبال الغسيل، على إرادة الحياة المتجددة لدى أهلها. ومع أن الخسارة تبتسم بوضوح من فوق قلعة حلب ومن خلال الأبنية والأحياء المتضررة، إلا أن صمود الناس وإعادة افتتاح المحلات يعكسان رغبة عارمة في استعادة وظيفة المكان ومعناه الإنساني والاجتماعي.

إن عملية إعمار حلب تتجاوز بكثير مجرد إعادة بناء الحجر والأسواق، لتصطدم بضرورة إنقاذ ما لا تظهره المخططات الهندسية؛ كالحرف المهددة بالانقراض، والعائلات المتفرقة، والعلاقات الاجتماعية التي تأثرت بظروف الأمان والاقتصاد. ومن خلال مبادرات توثيقية مثل بودكاست «ذاكرة سورية»، تتكشف الحكايات الإنسانية اليومية التي تشكل جوهر المدينة الحقيقي، والتي ظهرت بوضوح أيضاً في التكاتف المجتمعي عقب زلزال شباط 2023.

في النهاية، لا شك أن حلب قد فقدت أجزاء من معناها تحت وطأة الحرب وتغير شروط الحياة الأساسية، لكن استعادة المدينة لا تعني بالضرورة العودة إلى الماضي بكافة تفاصيله، بل تكمن في منح أهلها الفرصة لصناعة مستقبل جديد يحافظ على الذاكرة دون أن يجعلها سجناً لها، ويعيد بناء الروابط الإنسانية التي تصنع روح المدن الحقيقية.

شارك الخبر: