تنويه
هذا الخبر بعنوان "حين يصبح الفساد مألوفاً" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
حين يفقد الإنسان قدرته على ضبط رغباته ومصالحه الخاصة وتنظيمها في ضوء الحق والخير العام، لا يعود الخلل محصوراً في فعلٍ معيّن، بل يتجاوز الأفراد ليطال المجتمع بأسره. يورد سفر التكوين كلماتٍ تصف حقيقةً لم تفارق البشرية لحظةً واحدة: فسادٌ وظلمٌ يجريان كنهرٍ جارف. يقدّم الوحي الكتابي مدخلاً أنثروبولوجياً يكشف أن انحراف الإنسان لا ينحصر في فعلٍ فردي وحسب، بل يمتدّ إلى نسيج الحياة وبنيتها، فيفسد العلاقات، ويشوّه ميزان الحق، ويكسر جوهر العدالة.
يكشف الكتاب المقدس وجوه الفساد المتعددة، من محبة المال والظلم إلى الرشوة وتحريف الحق. ويظهر هذا الخلل حين تغدو الوسيلة غاية، فالمشكلة ليست في المال ذاته، بل في استيلائه على رغبات الإنسان وقراراته. والمنطق ذاته ينطبق على السلطة حين تنفصل عن غايتها وتتحول إلى امتياز شخصي. وقد ندّد الأنبياء باقتران المال بالنفوذ واستغلال الضعفاء، كما وصف النبي ميخا مجتمعاً تداخلت فيه السلطة والمال والدين.
وتتفاقم خطورة الفساد حين يطاول القضاء، إذ يحذّر سفر التثنية من تحريف القضاء أو أخذ الرشوة. ولا يغفل الكتاب المقدس عن امتداد أثر الفساد إلى البنية الاجتماعية واللغة نفسها، حين تُسمّى المحسوبية مساعدةً والاستغلال خدمةً. وهنا تبرز مسؤولية صون الحقيقة، سيما في الإعلام الذي قد يتواطأ بالتعتيم أو التبرير. وفي هذا السياق، يشير بولس إلى أن محبة المال أصل كل الشرور حين يوجه الإرادة ويعيد ترتيب القيم.
ومن زاوية فكر أرسطو، يترسّخ الفساد في السلوك الإنساني بالممارسة المتكرّرة حتى يغدو ما كان مرفوضاً مألوفاً، وهو ما يتقاطع مع مفهوم "ابتذال الشّر" عند هانا أرندت، حيث ينخرط الإنسان العادي في منظومة شريرة بالامتثال للقواعد السائدة. ومع تكرار الانحراف، تتحول المؤسسات، بحسب يوحنا بولس الثاني، إلى "هياكل للخطيئة". وختاماً، لا تعود التوبة وحدها كافية، بل يقتضي الأمر تجدداً جذرياً وعيش الصلاح في الحياة العامة على حد تعبير بولس، وتجاوز الخير الفردي إلى الخير المشترك وفق رؤية بول ريكور.
أخبار ذات صلة
ثقافةرحيل باسمة الباطولي: الساحة الثقافية اللبنانية تفقد قامة أدبية وفنية مميزة
منوعاتقضية كريستا بايك: بين قسوة الجريمة وظروف الطفولة وتساؤلات العدالة
ثقافةالأب سليم دكّاش يطلق الجزء الثاني من "خواطر على الطريق": أكتب لأنني أعيش الأسئلة
ثقافة
