حنين إلى الماضي الذي لم نعشه: ظاهرة "Anemoia" في الأربعينيات وما بعدها


هذا الخبر بعنوان "Anemoia في الأربعين… لماذا نشتاق إلى زمن لم نعشه؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عندما نستدعي الماضي في أذهاننا، غالباً ما نختار أجمل صوره. نتأمل صوراً قديمة لبيروت في الستينيات، بشوارعها المزدحمة بالسيارات القديمة وواجهات السينما الأنيقة، ورجالها ونسائها بملابس تعود لزمن آخر. قد لا نكون قد عشنا تلك اللحظات، ولا نعرف تفاصيلها، لكن شعوراً بالحنين يراودنا. الأمر نفسه ينطبق على سماع أغنية قديمة صدرت قبل ولادتنا، أو مشاهدة فيلم أبيض وأسود، أو سؤال الوالدين عن أيام لم نعشها، فنردد عبارة "كان الزمن أحلى".
هذا الحنين لا يقتصر على فترات زمنية قريبة. قد يمتد إلى عصور بعيدة، مثل عصر النهضة في فلورنسا، حيث نتخيل أنفسنا نسير بين ورش الفنانين العظام مثل ليوناردو دا فينشي ورافاييل وبوتيتشيلي، ونعيش في مدينة كانت الفنون فيها جزءاً لا يتجزأ من الحياة العامة. لكن هذه الصورة المثالية غالباً ما تتجاهل واقع تلك الحقبة، بما فيها من تفاوت طبقي وصراعات وأوبئة وقيود اجتماعية. ما نشتاق إليه غالباً هو المعنى الذي أضفناه نحن على تلك العصور، لا تفاصيل الحياة الفعلية فيها.
للشعور بالحنين إلى زمن لم نعشه اسم حديث نسبياً هو "Anemoia"، وهو مصطلح ابتكره الكاتب جون كونيغ. إنه ليس تشخيصاً نفسياً، بل وصف لشعور شائع بالحنين إلى أماكن لم نزُرها أو أزمنة لم نكن فيها.
في منتصف العمر، وتحديداً في الأربعينيات، تتغير نظرتنا إلى الزمن. فبعد أن كانت المساحة الأكبر أمامنا في العشرينيات، يصبح لدينا الآن تاريخ شخصي طويل من الخيارات والعلاقات والتجارب. هنا، يصبح الماضي جزءاً من سؤال الهوية. وتشير أبحاث الذاكرة إلى ظاهرة "reminiscence bump"، وهي ميل الأشخاص في منتصف العمر إلى استعادة ذكريات الفترة بين العاشرة والثلاثين، وهي مرحلة تكوّن الهوية.
لكن كيف نفسر الحنين إلى عقود لم نعشها أصلاً؟ قد يكون السبب أن الذاكرة ليست فردية بالكامل؛ فنحن نرث الماضي عبر قصص العائلة والذاكرة الثقافية. في المنطقة العربية، تنشط هذه الذاكرة الثقافية عند نشر صور قديمة للمدن مثل بيروت أو القاهرة أو دمشق أو بغداد، حيث تتفاعل التعليقات حول الشوارع والمقاهي والملابس والحياة الليلية.
السؤال الأهم هو: هل نشتاق إلى الماضي نفسه، أم إلى ما نعتقد أنه كان موجوداً فيه؟ هل نشتاق إلى الحياة قبل الإنترنت، أم إلى وقت لم تكن فيه الهواتف تسيطر على حياتنا؟ هل نشتاق إلى منزل الجدة، أم إلى إحساس اجتماع العائلة؟ الحنين يميل إلى انتقاء الأجمل، فيحتفظ بالأغنية ويتجاهل الضجيج، يحتفظ بالفستان والسيارة، لكنه يتناسى صعوبات العمل والمرض والقيود الاجتماعية.
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تجعل الماضي متاحاً يومياً، مما يغذي الحنين حتى بدون ذاكرة شخصية. كما أن الموضة والموسيقى والعلامات التجارية تستعيد عناصر من الماضي، والتكنولوجيا نفسها التي قد تجعلنا نشتاق إلى عالم أقل رقمية، هي التي تعيد إلينا هذا العالم كل يوم.
عندما نرى صوراً قديمة، فإننا لا نرى الحياة كاملة بكل تفاصيلها وصعوباتها. نحن نقارن حاضرنا، بكل فوضاه، بنسخة منتقاة بعناية من الماضي، وهي مقارنة غالباً ما يخسر فيها الحاضر. الحنين إلى الماضي الذي لم نعشه قد يكون في الواقع تعبيراً عن افتقادنا لشيء ما في حاضرنا: حياة أبطأ، علاقات أقرب، مدينة يمكن المشي فيها، جلسات لا تقاطعها الهواتف، وبيوت يبقى فيها أحباؤنا كما نتذكرهم. مع الاقتراب من الأربعين، يصبح هذا الافتقاد أكثر وضوحاً، حيث نمتلك ماضياً كافياً للمقارنة، وندرك ما الذي نفتقده في حاضرنا لدرجة البحث عنه في ماضٍ لم يكن لنا أصلاً.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة