لبنان
سياسة

سوريا بين مطرقة التدخل الخارجي وسندان الحياد الدائم: هل يجرؤ السوريون على استعادة القرار؟

النهار١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٢:١٢ ص0 مشاهدة
سوريا بين مطرقة التدخل الخارجي وسندان الحياد الدائم: هل يجرؤ السوريون على استعادة القرار؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "هل يجرؤ السوريون على الحياد الدائم؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

إن الدول، شأنها شأن المرضى، لا تتعافى بتدخل الورثة، بل حين يعود إليها النبض من ذاتها. فمن في سوريا يجرؤ على إعلان استقلالها وسيادتها بقولٍ مدوٍّ كقول وزير الخارجية النمساوي ليوبولد فيغل: "النمسا ليست لأحد"؟

في 15 أيار/ مايو 1955، أعلن فيغل في فيينا "النمسا حرة!"، لتصبح هذه الكلمات محفورة في الذاكرة الوطنية. فقد عانت النمسا لعشر سنوات من الانقسام بين أربع مناطق احتلال، وقُسّمت عاصمتها فيينا إلى أربعة قطاعات تجوبها دوريات من جنود الحلفاء (أميركيين، بريطانيين، فرنسيين، وسوفيات). لم يرغب أي من المحتلين في ترك النمسا لخصومه، فالانسحاب المنفرد يُعد هدية للمنافس، بينما البقاء استنزاف بلا جدوى.

هذه المعادلة، بحذافيرها، تنطبق على سوريا اليوم. لم تعد سوريا مجرد دولة تنهار، أو دولة تُترك لأهلها لتتعافى، بل أصبحت محفوظة في ثلاجة انتظار لتصفية الصراعات الإقليمية. يبقيها الورثة الخارجيون على قيد الحياة لأن موتها قد يربك حساباتهم، لكنهم يُبقونها عليلة، إذ إن شفاءها قد يعني استرداد ما انتزعوه من جسدها.

تسعى أنقرة إلى عمق أمني في الشمال، وتطمح تل أبيب إلى جنوب منزوع القدرة، وترغب عواصم الخليج في مشرق مستقر ومزدهر بعيداً عن طهران. وتجد موسكو في سوريا موطئ قدم رخيص على المتوسط، بينما تستخدمها واشنطن كمنصة إقليمية ضد خصومها دون استهلاك جنودها. أما طهران، فهي تنتظر عند الباب.

لكل وريث خارجي زبون في الداخل، يموّله: تيار، أو شبكة، أو فصيل، أو مكون سوري يخشى على وجوده. والنتيجة هي أن الدواء الذي تقدمه القوى المتدخلة ليس إلا من جنس الداء ذاته. فهل من مخرج غير الموت أو الوصاية؟

يقدم التاريخ جواباً ثالثاً نادراً ما يُطرح في النقاش السوري: الحياد التام والدائم. ليس المقصود حياد الضعيف الذي يُفرض بالتوافقات الخارجية، بل حياد الدولة التي تقرر بوعي أهلها أن تغادر الرقعة التي يلعب عليها الآخرون، لتعلن أنها ليست بيدقاً في لعبة أحد.

في شباط/ فبراير 1934، خاض الاشتراكيون الديموقراطيون والمحافظون المسيحيون حرباً أهلية دامية في فيينا. لكنهم، بعد خروج كثيرين منهم من السجون النازية، سرعان ما أعلنوا عقدهم الاجتماعي الجامع، ليشهروا ائتلافاً وطنياً واسعاً تقاسموا فيه الدولة بدل أن يتقاتلوا عليها. وبذلك سبقت المصالحة الداخلية الحياد الخارجي. ولولاها، لوجد كل محتل في فيينا حزباً أو مكوناً يستدعيه.

لم تنل النمسا استقلالها لأن المحتلين رئفوا بحالها. لم يكن خروتشوف يطمح إلى نمسا شيوعية بقدر ما كان يخشى من نمسا أطلسية تصل ألمانيا الغربية بإيطاليا وتقطع خاصرة الكتلة الشرقية. ولم يطمح الغرب لأكثر من خروج الجيش الأحمر من قلب أوروبا. كان الحياد قراراً وطنياً نمساوياً أسس لتوازن القوى الإقليمية: كل طرف خسر ورقة النمسا، لكنه ربح يقيناً بأن خصمه لن يربحها.

في "مذكرة موسكو" - نيسان/أبريل 1955 تعهد الوفد النمسوي بحياد النمسا، وسرعان ما أقره البرلمان في تشرين الأول/ أكتوبر، بالتوازي مع عقد اجتماعي وطني جامع. لم يُفرض الحياد على النمساويين، بل أعلنوه في ما بينهم أولاً وبإرادتهم، وفرضوه على العالم، ليصبح ذلك عيدهم الوطني. بدأت النمسا تحصد مكاسب حيادها: استضافت فيينا الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنظمة أوبك، ثم مقراً ثالثاً للأمم المتحدة بعد نيويورك وجنيف، وتحولت، في عهد برونو كرايسكي، إلى وسيط يطرق أبوابه الشرق والغرب معاً. لم يكن الحياد عزلة، بل رأسمالاً دبلوماسياً واقتصادياً يُستثمر.

وهذا تحديداً ما تحتاجه سوريا التي يخنقها غياب الثقة: أن يصبح موقعها الجغرافي، الذي جلب إليها الجيوش، مورداً يجلب إليها الاستثمار. لم تكن سيرة سويسرا مختلفة! كانت سويسرا ساحة لحروب غيرها، حيث تقاتلت جيوش فرنسا والنمسا وروسيا على أرضها عام 1799. في نهاية الأمر اعترفت القوى الأوروبية بحيادها الدائم في باريس 1815. فسويسرا المحايدة كانت أرخص للجميع من سويسرا التابعة المفتوحة فضاءً للصراع.

الدرس السويسري الأعمق هو الدرس الداخلي: بلدٌ بأربع لغات ومذهبين، خاض حرباً أهلية وحشية عام 1848، لكنه بعد عام واحد أنتج دستوراً اتحادياً جعل التنوع عقداً وطنياً لا ذريعة. لكن التاريخ يذكرنا بأن الحياد الذي لا يدعمه توافق وطني وسلم أهلي سرعان ما ينهار، كما في لاوس ولبنان. بل لم يستأذن حزب الله أحداً أن يذهب إلى سوريا ليصبح الحياد ذريعة ومقدمة وغطاءً للحروب المقبلة. كي لا يكون الحياد قصاصة ورق!

شارك الخبر: