لبنان
ثقافة

كيف تشكل الكلمات وقواعد اللغة إدراكنا للعالم وتوجّه فهمنا للأزمات؟

النهار٢ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٥٥ ص0 مشاهدة
كيف تشكل الكلمات وقواعد اللغة إدراكنا للعالم وتوجّه فهمنا للأزمات؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "كيف توجّه اللغة إدراكنا للعالم؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

كثيراً ما أتساءل وأنا أمشي في أزقة بيروت أو أجلس في مقهى يتصاعد فيه صخب الأحاديث: هل نرى الأشياء حولنا بحواسنا المجردة كما هي، أم من خلال الكلمات التي تعلمنا أن نطلقها عليها؟ يبدو هذا السؤال غريباً للوهلة الأولى، فالرؤية تبدو أمراً بديهياً ومألوفاً، حتى إننا ننسى أن اللغة ليست أداة محايدة ننقل بها ما يحدث حولنا، بل نظارة نرتديها من دون أن ننتبه إليها.

اللغة في رأيي ليست سجناً يغلق منافذ التفكير، بل عدسة خفية توجّه انتباهنا وتشكّل ذاكرتنا وترسم الحدود التي نرى العالم من خلالها. تأمل الألوان مثلاً؛ ففي الروسية لا توجد كلمة واحدة تجمع درجات الأزرق، بل كلمتان للفاتح والداكن، وتخبرنا التجارب أن الناطق بالروسية يلتقط الفرق بين الدرجتين بسرعة أكبر عند الحد الفاصل بينهما. ويتجاوز الأثر حدود الحواس إلى تحديد موقعنا في المكان، فنحن نقول في لبنان "عَ إيدك اليمين" و"لفّ الشمال" ونعتمد على أجسادنا، بينما جماعة "غوغو ييميثير" في شمال أستراليا تعتمد على الجهات الجغرافية المطلقة.

وحتى قواعد النحو تجرّ وراءها انطباعات؛ فكلمة «جسر» مؤنثة في الألمانية ومذكرة في الإسبانية، وحين طُلب من أبناء اللغتين وصفه اختار الألمان «أنيق» و«رشيق»، ومال الإسبان إلى «قوي» و«متين». أما الأثر الأشد إدهاشاً فيظهر في الزمن، فنحن نراه طريقاً نسير عليه والماضي خلفنا والمستقبل أمامنا، بينما شعب "الأيمارا" في جبال الأنديز يرى العكس تماماً. ويمتد هذا التأثير إلى تحديد المسؤولية والفاعل في لغتنا وأزماتنا، حيث تنعكس عبارات التجهيل من حوادثنا اليومية إلى أكبر أزماتنا السياسية والمالية.

وقد نبّه المفكر مالك بن نبي إلى خطورة استيراد الأفكار الجاهزة، والكلمة وعاء الفكرة، وهو ما عايناه إبان الأزمة المالية حين غرق الناس في مصطلحات مثل "هيركات" و"كابيتال كونترول" التي أخفقت في توصيف الواقع بدقة. وفي النهاية، إن الخطر الحقيقي يكمن في أن نكسل عن تسمية أشيائنا بأنفسنا، فنحن قادرون دائماً على ابتكار كلماتنا وتسمية واقعنا كما نعيشه.

شارك الخبر: