لبنان
منوعات

رحلة الإغراق في التفكير: عندما يتحول العقل البشري إلى عدو خفي

النهار٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٢٣ ص0 مشاهدة
رحلة الإغراق في التفكير: عندما يتحول العقل البشري إلى عدو خفي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "سَجني في رأسي" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أنا لا أفرط في التفكير، بل أغرق فيه تماماً. كأنّ في رأسي بحراً أسود بلا شاطئ، وكلّما حاولت النجاة سحبني احتمالٌ جديد إلى قاعه العميق. أفكّر حتى أفقد القدرة على تصديق ما يحدث حولي، وأشكّ حتى في الأشياء التي لم تمنحني يوماً سبباً للشك.

أفتّش في الصمت عن خيانة، وفي التأخير عن هجر، وفي تغيّر النبرة العابرة عن نهايةٍ تدبّر لي في الخفاء. أحوّل التفاصيل البسيطة إلى أدلّة، والاحتمالات الوهمية إلى حقائق، والخوف الدفين إلى يقين مؤلم، ثم أتعجّب لماذا يؤلمني شيءٌ لم يحدث بعد؟ لأنني أعيشه قبل أن يقع.

أعيش الفقد قبل الرحيل، والخذلان قبل الخيانة، والنهاية قبل البداية، وأدفن الأشياء وهي لاتزال حيّة في داخلي. في رأسي، لا يموت شيءٌ مرةً واحدة أبداً؛ فكلّ ذكرى تعود لتقتلني، وكلّ كلمةٍ أعيد ترديدها تفتح جرحاً ظننته قد التأم، وكلّ تساؤل افتراضي يجرّ خلفه مقبرةً كاملة من الاحتمالات المظلمة.

أنا متعبٌ من عقلي أكثر بكثير مما أنا متعبٌ من قسوة الحياة. فالحياة تؤذيني بما يحدث واقعاً، أما رأسي فيؤذيني بما قد يحدث، وبما لم يحدث، وبما لن يحدث أصلاً. وهنا تكمن اللعنة الحقيقية: أن يكون عدوّي ساكناً في داخلي، يعرف كلّ مخاوفي بدقة، ويعرف أين يطعنني، ولا يعرف النوم أبداً.

وحين يهدأ كلّ شيءٍ حولي، تبدأ الحرب الداخلية الشرسة. أستلقي وأطفئ النور، فتشتعل في داخلي ألف غرفة مظلمة؛ في كلّ غرفةٍ سؤال، وفي كلّ سؤالٍ خوف، وفي كلّ خوفٍ نسخةٌ مني تنهار وتتداعى. حتى صرت أخاف من الهدوء الساكن، لأنني أعرف يقيناً أن رأسي سيملأه بالصراخ والضجيج.

يا ربّ، أيّ عذابٍ هذا أن يحمل الإنسان كلّ هذا الضجيج الهائل ولا يستطيع أبداً أن يفرّ من نفسه؟ أريد فقط أن يمرّ يومٌ واحد دون أن أفتّش عن كارثةٍ مختبئةٍ خلف فرحتي، يومٌ واحد لا أراقب فيه النهايات، ولا أستعدّ للفقد القاسي، ولا أرتجف من الغد، ولا أعاقب نفسي على أشياء لم أفعلها قط. أريد أن أعيش بسلام دون أن أحتاج إلى ضمانةٍ بأنني لن أنكسر، لكنّ عقلي لا يفهم معنى الرحمة، وكلّ ما يعرفه هو أن يبقيني مستعدّاً دائماً لأسوأ شيء، حتى أصبح أسوأ شيءٍ هو أنا بنفسي، أنا الذي لم يعد يخاف أن يحدث له شيء، بل يخاف أن يظلّ يفكّر فيه حتى يهلكه تماماً قبل أن يقع.

شارك الخبر: