قانون العفو العام في لبنان: بين تحقيق العدالة وتجنب الإفلات من العقاب


هذا الخبر بعنوان "العفو العام بين مقتضيات العدالة ومنع الإفلات من العقاب" نشر أولاً على موقع المركزية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن إقرار قانون العفو العام في لبنان مجرد خطوة تشريعية لإطلاق سراح آلاف السجناء أو إسقاط عقوبات، بل شكل اختباراً دقيقاً لقدرة الدولة على الموازنة بين مقتضيات العدالة وضرورات المصالحة الاجتماعية من جهة، ومنع تحويل العفو إلى غطاء للإفلات من العقاب من جهة أخرى. جاء هذا القانون وسط اعتراضات من جهات سياسية ونيابية وصفته بأنه «طائفي ومذهبي وغير متوازن».
الاستثناءات: خط فاصل بين الموقوفين والمحكومين
تكتسب الاستثناءات التي نص عليها القانون أهمية كبرى، فهي ترسم حداً فاصلاً بين الجرائم التي لا تسمح الدولة بإسقاط الملاحقة أو العقوبة عن مرتكبيها، مثل تجار المخدرات وسارقي المال العام، وبين الموقوفين والمحكومين الذين طالهم الظلم ويراد إنصافهم. وتشير مراجع قانونية عليا إلى وجود «التباس كبير بين جرائم شملها العفو العام وسيعود مرتكبوها إلى الحرية قريباً، وجرائم أخرى أدرجت في صلب الاستثناءات ومنع على مرتكبيها الاستفادة من هذا العفو».
وبقدر النتائج الإيجابية لشمول القانون جرائم استفاد منها مرتكبوها، وأسقطت الدعوى العامة عنهم وحذفت العقوبات الأصلية والفرعية والتدابير الاحترازية، فإن أهمية كبرى تكمن في الجرائم التي استثناها القانون وأبقى محاكمتهم سارية المفعول. أبرز هذه الاستثناءات تشمل الجرائم المحالة على المجلس العدلي، وجرائم القتل العمد والقصدي، وجرائم الإرهاب المرتكبة بحق المدنيين والعسكريين وعناصر القوى الأمنية، وجرائم الخيانة والتجسس والتعامل غير المشروع مع العدو.
استثناء جرائم المخدرات: جدل نيابي
يبرز في هذا السياق الاستثناء الأهم لجرائم المخدرات، لا سيما حالات التكرار. يعكس هذا الاستثناء تشدداً تشريعياً تجاه جرائم تمس أمن المجتمع وصحة أفراده وترتبط بشبكات إجرامية عابرة للحدود، والتي أدت في مرحلة ما إلى وضع لبنان أمام عزلة عربية وحظر الصادرات اللبنانية إلى دول الخليج العربي بسبب شحنات «الكبتاغون». هذا الاستثناء أثار تحفظات البعض، ومنهم نواب يمثلون منطقة بعلبك – الهرمل، مثل النائب غازي زعيتر، الذي وصف القانون بـ«غير المتوازن والطائفي والمذهبي».
أبدى زعيتر أسفه للاستثناءات التي تضمّنها القانون، معتبراً أنها «غير عادلة ولا تنسجم مع الغاية الأساسية من إقرار قانون العفو»، داعياً للعودة إلى المادة 53 من الدستور. ورأى زعيتر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «فلسفة العفو العام تقوم على أن يكون شاملاً، بحيث يطوي صفحة من الماضي ويفتح صفحة جديدة أمام جميع اللبنانيين». وأشار إلى أنه «تمت مراعاة كل الأطراف الأخرى، خصوصاً فيما يتعلق بموضوع الموقوفين الإسلاميين، وحتى بالنسبة للقانون الذي قُدّم عام 2011 لمن ذهبوا إلى إسرائيل، ووافقنا على أن يكون العفو شاملاً»، منتقداً ما وصفه بـ«إهمال الدولة اللبنانية لأبناء البقاع منذ أكثر من 100 عام، مما دفعهم للجوء إلى موارد أخرى للرزق، حتى اضطر بعضهم إلى زراعة المخدرات».
تشكل دعاوى المخدرات ما نسبته 40 في المائة تقريباً من الملفات القضائية، ويتركز العدد الأكبر من المتهمين فيها في منطقة البقاع اللبناني. وأكد النائب زعيتر أن «90 في المائة من الملاحقين في قضايا المخدرات هم من أبناء بعلبك والهرمل، وجزء كبير من هذه الملاحقات يستند إلى بيانات على هواتف الأشخاص الذين يتم توقيفهم»، موضحاً أن «مجرد ورود اسم شخص أو التواصل معه عبر الهاتف يؤدي حتماً إلى إدراجه في ملف الملاحقة». وأضاف: «بعض المطلوبين، خوفاً من توقيفهم، يتخلفون عن الحضور إلى التحقيق، ما يؤدي لاحقاً إلى صدور قرارات قضائية ومذكرات توقيف وأحكام غيابية بحقهم. هذه الآلية أدت إلى ظلم كبير بآلاف الملاحقين في قضايا المخدرات، وللأسف النسبة الكبرى منهم تنتمي إلى الفئة الاجتماعية والجغرافية نفسها في منطقة بعلبك والهرمل».
استثناءات أخرى حساسة
في المقابل، حافظ القانون على استثناءات أخرى بالغة الحساسية؛ بينها الاعتداءات المستمرة على الأملاك العامة وأملاك البلديات والمشاعات، والجرائم المرتبطة بالفساد والإثراء غير المشروع وتبديد الأموال وتمويل الإرهاب ومخالفة قانون النقد والتسليف، إضافة إلى الجرائم المصرفية المرتبطة بأموال المودعين. كما استثنى جرائم الاغتصاب وسفاح القربى والاتجار بالبشر والعنف الأسري والاعتداء الجنسي على القصر والتعذيب والإخفاء القسري.
«عدالة القانون» وثغراته
تمنح هذه الاستثناءات القانون قدراً مهماً من العدالة، وفق تعبير مرجع قانوني، حيث رأى أنها «لا تجعل من العفو تسوية سياسية تمحو المسؤولية عن الجرائم الخطيرة». ومع ذلك، فإن القانون «رغم أهميته، لا يعني بالضرورة أنه يخلو من الثغرات أو يحقق العدالة الكاملة»، بحسب المرجع. وأوضح أن «العفو العام يقوم بطبيعته على معيار تشريعي عام، قد لا يأخذ دائماً في الحسبان الفروق الدقيقة بين ظروف كل موقوف أو محكوم»، لافتاً إلى أن «وجود أوجه شبه في جرائم مشمولة بالعفو وأخرى مستثناة منه، خصوصاً في جرائم القتل والإرهاب والجرائم التي تقع على المال العام، سيرهق المحاكم التي تنظر فيها ويتطلب اجتهادات قضائية لتفسيرها».
مستفيدون وغير مستفيدين
ثمة أسماء بارزة تستفيد من قانون العفو سواء بشكل فوري أو تدريجي. منهم الشيخ أحمد الأسير، الذي استفاد من تخفيض العقوبة، لكن الإفراج عنه لن يكون قبل منتصف مايو 2028. ونعيم عباس، الموقوف منذ عام 2014 وصدر بحقه حكم بالمؤبد عام 2021 بجرائم قتل وتفخيخ سيارات معدة للتفجير. والشيخ لؤي الترك، الذي ارتبط اسمه بملف اعتراض شاحنات المازوت التي كان يخرجها «حزب الله» لنظام بشار الأسد عبر الحدود اللبنانية – السورية إبان فرض عقوبات «قيصر» الأميركية، وحكم عليه بالأشغال الشاقة 15 عاماً. وحسن أبو علفة، المتهم بالاشتراك في تفجير السفارة الإيرانية والموقوف في فبراير 2014، ولم يصدر بحقه حكم حتى الآن.
أما أبرز الموقوفين الذين لن يستفيدوا من قانون العفو فهم: نوح زعيتر، أحد أخطر تجار المخدرات في لبنان، الذي تم توقيفه إثر عملية أمنية نفذها الجيش اللبناني العام الماضي، باعتبار أن توقيفه الاحتياطي لم يتجاوز السقف المطلوب للإفراج (12 سنة سجنية دون محاكمة) وعدم صدور أحكام بحقه قابلة للتخفيض. ورياض سلامة، حاكم مصرف لبنان السابق، الذي أوقف قبل أسبوعين، والملاحق بدعاوى تتصل باختلاس أموال عامة وتبييض الأموال والإثراء غير المشروع والتسبب في حرمان المودعين من أموالهم. والمدانون بالعمالة والتجسس لصالح إسرائيل، الذين لن يشملهم أي تخفيض للعقوبة أو عفو عام مهما بلغت مدة محكوميتهم أو ظروف توقيفهم.
في الختام، فإن نجاح القانون لا يقاس بعدد المستفيدين منه أو المستثنيين، بل بقدر تحقيقه توازناً فعلياً بين رفع الظلم عن مستحقين، وحماية المجتمع، والحفاظ على هيبة القضاء، ومنع الإفلات من العقاب.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة