العفو العام: صفقات سياسية تقتل العدالة وتدمر كرامة الضحايا


هذا الخبر بعنوان "قوانين العفو العام: اغتيالٌ ثانٍ للعدالة والضحايا" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
إن قوانين العفو العام، عندما تخرج عن مسار العدالة وتصبح مجرد أدوات حزبية، تتحول إلى نكبة وطنية تمسّ بالقيم الإنسانية الأساسية. فبينما تزين جلسات التشريع عناوين براقة وشعارات عن "الصفحة الجديدة" و"المصالحة" يرفعها النواب، تُحاك في الخفاء تسويات تعكس واقعاً مختلفاً. تصبح هذه القوانين كارثة وطنية تكسر المحرمات الإنسانية وتترك الضحايا عرضة لاستباحة كراماتهم بقوة القانون.
لا يُصدر العفو استجابة لنداء إنساني، بل يُصمم ليخدم مصالح سياسية ضيقة، متخفياً خلف واجهة زائفة تروج لتخفيف الازدحام في السجون. في حقيقة الأمر، تكمن الغاية في هندسة نصوص فضفاضة لإخراج المقربين من مراكز القوى، وتبييض سجلات الفاسدين، وتحويل البرلمان إلى ساحة لتبادل المصالح.
لم تُصمم هذه الثغرات بالصدفة، بل تم زرعها كـ"مفاتيح طوارئ" عبر صياغة معايير دقيقة للزمان والمكان وتصنيف الجرائم، بهدف فتح أبواب السجون للحلفاء وإبقاء الخصوم تحت طائلة العقاب. يترافق ذلك مع تبييض للفساد المنظم عبر إدراج جرائم النهب والإثراء غير المشروع ضمن بنود تتيح إسقاطها بشرط تسويات مالية سريعة.
تتفاقم المأساة في ملف المخدرات؛ حيث يُسوق للعفو كطوق نجاة للمتعاطين، بينما تُفصّل الاستثناءات التشريعية بذكاء لتسمح بتسلل التجار والمروجين الكبار المحميين سياسياً تحت ستار إعادة تكييف التهم. ويكتمل هذا العبث بإسقاط الحق الشخصي بالإكراه عبر ضغوط عشائرية وسياسية تجبر الضحايا على التنازل ليحصل الجاني على براءة مصادق عليها قضائياً.
تبلغ ذروة السقوط الأخلاقي حين تمتد المساومة لتشمل الجرائم الجنسية والاغتصاب؛ فعندما يُمنح مغتصب صك الحرية بقرار تشريعي، فإن السلطة لا تعفو عن مجرم فحسب، بل تمارس اغتصاباً ثانياً بحق الضحية واغتيالاً معنوياً مستمراً لها وهي ترى معتديها ينعم بالحرية دون عقاب. ولا يقتصر هذا العبث التشريعي على الحدود الجنائية، بل يمتد ليشمل تقييد حرية التعبير عبر قوانين إعلام ملغومة تستخدم مصطلحات مطاطة مثل "النيل من هيبة الدولة" أو "تعكير الصفاء العام"، مما يجعل كل كلمة انتقاد عرضة للتأويل المزاجي.
تترسخ هذه المنظومة بفرض عقوبات الحبس السالبة للحرية واستغلال دعاوى القدح والذم كأداة ضغط لاستنزاف الكاتب وإلهائه في أروقة المحاكم، بينما ينعم ناهبو الوطن بالصمت والحرية. ويتجلى أشد صور الاستعلاء التشريعي في التعاطي مع ملف المبعدين؛ فعندما يقترن أفق العودة بشروط مذلة، كالمطالبة بالتخلي عن الجنسية الإسرائيلية كشرط مسبق لدخول الوطن، نكون أمام مهزلة إنسانية وقانونية. فالوطن ليس ملكية خاصة لمجموعة سياسية، والانتماء لا يُشترط، والعودة حق مقدس لا يقبل المساومة.
إن أي قانون عفو أو إعلام يُولد في كواليس الصفقات ويحمل ثغرات تُفلت الفاسدين وتجار السموم هو وثيقة باطلة أخلاقياً وفاقدة لأي شرعية. العدالة لا تقبل التجزيء، وحان الوقت لرفع الصوت بوجه هذا الانهيار لنقول بمنتهى الوضوح: لا سجن لصاحب كلمة، لا عفو عن دم أو سمّ، لا تسامح مع مغتصب، ولا تنازل عن الكرامة والهوية تحت أي ذريعة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة