من الكرك إلى الجذور: استراتيجيات مواجهة التطرف الفكري والاجتماعي


هذا الخبر بعنوان "من الكرك إلى الجذور... كيف نقطع الطريق على التطرف؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتحقق حماية المجتمع عبر حصر قدرة المتطرف على التنفيذ وسحب أدواته في الإقناع والتجنيد. وفي أعقاب الاعتداء الإرهابي على كنيسة حمود في الكرك الأردنية، والذي وقعت على إثره وقفة تضامنية في كنيسة التجلي الأرثوذكسية اليونانية برام الله في 26 أكتوبر 2026 تضامناً مع ضحايا هجوم الكرك، يبرز سؤال جوهري يتجاوز مجرد ملاحقة المنفذين: كيف تتشكل القناعة التي تبيح استهداف إنسان داخل دار عبادة؟
يؤكد الموقف الحازم لجلالة الملك عبدالله الثاني والحكومة الأردنية على أهمية حماية أمن الشعب وصون التعايش، مشددين على أن الاعتداء على أي مكون من مكونات المجتمع هو اعتداء على الوطن بأسره. فقيادة الدول في أوقات الأزمات تتحمل مسؤولية حماية الأرواح وتعزيز الوحدة الوطنية.
في هذا السياق، تلخص تغريدة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الإماراتي، جوهر التحدي بقوله على منصة 'إكس': "أن نحارب الإرهاب دون محاربة التطرف كمن يسقي البحر ماءً عذباً في انتظار تحول البحر إلى نهرٍ عذب". هذه الرؤية تدفع المواجهة نحو الجذور الفكرية والاجتماعية التي تسمح بتبرير الجريمة وإعادة إنتاجها.
تبدأ هذه المواجهة بضبط المفاهيم؛ فالالتزام بتعاليم الأديان السماوية كالإسلام والمسيحية واليهودية، وسائر الديانات، لا يعني التطرف. فالمؤمن يستطيع التمسك بعقيدته وإقامة شعائره وتأصيل قيمه في حياته مع احترام حياة الآخرين وحقوقهم. يظهر التطرف عندما تتحول القناعة إلى ادعاء حق الإكراه، والانتماء إلى مبرر للإقصاء، والاختلاف إلى ذريعة للتحريض واستباحة الدم. وتحمل معظم الديانات، بصيغ مختلفة، معاني الرحمة والتسامح والإحسان، وهي موارد أخلاقية ينبغي تفعيلها في بناء العلاقات الإنسانية.
لا يحتكر التطرف هوية دينية معينة، فقد يتغذى من تعصب قومي أو عرقي أو سياسي، وقد يتبناه من لا يؤمن بدين. والمشترك بين صوره هو احتكار الحقيقة وتجريد الآخر من إنسانيته. لذلك، فإن الخلط بين الالتزام بشعائر الدين وتعاليمه والتطرف يظلم المؤمنين ويمنح الجماعات المتطرفة فرصة لتقديم نفسها كمدافع وحيد عنهم.
تبدأ أولى خطوات مقاومة التطرف من البيت، بالتربية المبكرة على حب الخير واحترام الآخر، والابتعاد عن لغة العنف والإهانة. فالطفل يتعلم من سلوك أسرته كيف يختلف، وكيف يضبط غضبه، وهل يستحق المختلف الاحترام. وحين يجد مساحة آمنة للسؤال والحوار، يصبح أقدر على مقاومة من يستغل جهله أو خوفه.
تسعى الجماعات المتطرفة باستمرار إلى زيادة أعداد أفرادها، مستثمرة المظالم والعزلة والحاجة إلى الانتماء، ومستخدمة المنصات الرقمية لتكرار رسائلها. وقطع الطريق عليها يتطلب العلم والعمل بالتسامح، وتفعيل التعايش، وتفكيك خطاباتها وكشف تناقضاتها وأساليب تلاعبها، وتوفير فرص تمنح الشباب دوراً ومعنى خارج دوائر التعصب. كما أن الإساءة التحقيرية للمقدسات، التي قد يتبعها البعض من باب لفت الأنظار والسعي وراء الشهرة، قد تمنح هذه الجماعات مادة للتجنيد دون أن تبرر عنفها. ولهذا، يجب الجمع بين احترام المعتقدات والثوابت وإتاحة التحاور والنقاش، ومنع التحريض، وحماية المجتمعات والقيم المتنوعة.
استراتيجياً، يجب أن تتكامل الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والإعلام مع عدالة القانون وحزم الأمن. ويُقاس النجاح بتراجع قبول الكراهية وتبرير الاعتداء، وبقدرة الناس على الاختلاف بأمان. فحماية المجتمع تتحقق حين تُحاصر قدرة المتطرف على التنفيذ وتُسحب منه في الوقت نفسه القدرة على الإقناع والتجنيد.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة