لبنان
سياسة

العقوبات الأميركية ضد المحكمة الجنائية الدولية: صراع بين السيادة الوطنية وميزان العدالة

النهار١١ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٠٩ ص0 مشاهدة
العقوبات الأميركية ضد المحكمة الجنائية الدولية: صراع بين السيادة الوطنية وميزان العدالة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "العقوبات الأميركية على المحكمة الجنائية الدولية: حماية السيادة أم تقويض العدالة؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تملك الولايات المتحدة حق الاعتراض على اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بالوسائل القانونية، غير أن اللجوء إلى العقوبات لتقييد عمل المحكمة يفتح باباً بالغ الخطورة لإخضاع العدالة لموازين القوة. وعندما تصبح فعالية المؤسسة القضائية رهينة لمدى قبول الدول النافذة بنتائج أحكامها، فإن الخاسر الأكبر لن يكون المحكمة وحدها.

يثير قرار الولايات المتحدة بفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية إشكاليات عميقة تتخطى حدود الخلاف القانوني حول اختصاص قضائي معين، لتطال جوهر العلاقة بين السيادة الوطنية ومؤسسات العدالة الدولية، وحدود توظيف القوة الاقتصادية في مواجهة الهيئات القضائية المستقلة. فهل تهدف واشنطن حقاً إلى حماية مواطنيها، أم تسعى لتحصين مصالحها وحلفائها من المساءلة أمام القضاء الدولي؟

تستند الولايات المتحدة في موقفها إلى أنها ليست دولة طرفاً في نظام روما الأساسي، ومن ثم فهي لم تقبل إخضاع مواطنيها، ومن ضمنهم أفراد قواتها المسلحة، لولاية المحكمة. ومع ذلك، فإن عدم الانضمام إلى هذا النظام لا ينفي تلقائياً اختصاص المحكمة في القضايا التي تتصل بمواطن أمريكي؛ إذ تحدد المادتان 12 و13 من نظام روما الأسس القانونية لممارسة الاختصاص، كأن ترتبط الجريمة بإقليم دولة طرف أو أن يحيل مجلس الأمن الحالة وفقاً لميثاق الأمم المتحدة. بناءً على ذلك، لا يمكن حسم مسألة الاختصاص بالاستناد إلى جنسية المشتبه فيه وحده، بل بمدى تحقق الشروط القانونية لكل حالة.

علاوة على ذلك، لا يقوم نظام المحكمة على إلغاء القضاء الوطني، بل يستند إلى مبدأ التكامل الذي ترسخه المادة 17، والذي يربط تدخل المحكمة بشروط دقيقة تتمثل في عدم رغبة الدولة المعنية في إجراء التحقيقات والمقاضاة بجدية، أو عجزها عن القيام بذلك. ومن هذا المنطلق، يبقى الدفاع عن السيادة حقاً مشروعاً، لكنه لا يلغي بالضرورة أشكال المساءلة الدولية كافة، تماماً كما أن استقلال المحكمة لا يعفيها من الالتزام بضوابط الاختصاص ومعايير المحاكمة العادلة.

تتجلى خطورة العقوبات الأميركية في تحول المواجهة من مجرد الاعتراض على قرارات أو أشخاص محددين إلى ممارسة ضغوط مباشرة على المؤسسة بأسرها. وقد يفضي ذلك إلى تقييد قدرة المحكمة على تدبير الخدمات المالية والتقنية، والتعاقد مع الخبراء، وإدارة التحقيقات وحفظ الأدلة. كما أن مخاوف التعرض للعقوبات قد تدفع شركات ومصارف خارج الولايات المتحدة لقطع تعاملاتها مع المحكمة تفادياً للمخاطر، مما يوسع نطاق أثر القرار ليشمل أطرافاً لم تكن مستهدفة بشكل مباشر، ويحول النفوذ الاقتصادي إلى أداة تتحكم في عمل مؤسسة قضائية دولية.

ولا يمكن عزل هذه المواجهة عن سياقها السياسي، خصوصاً ما يتعلق بالتحقيقات حول أفعال منسوبة إلى أفراد من القوات الأميركية في أفغانستان، والإجراءات المرتبطة بمسؤولين إسرائيليين. ففي حين تبدو حماية المواطنين الأميركيين جزءاً من المبررات المعلنة، فإن ارتباط القرار بمصالح حليف استراتيجي يثير تساؤلات جدية بشأن الفصل بين الاعتبارات القانونية والحسابات الجيوسياسية.

أما على صعيد التوقيت، فينبغي فهم الإعلان في إطار مسار التصعيد المستمر، من دون الجزم بوجود علاقة سببية مباشرة مع أحداث متزامنة تعوزها الأدلة القاطعة. وفي النهاية، لا تقتصر المسألة على المفاضلة المباشرة بين السيادة والعدالة، بل تتعلق بمدى ممارسة السيادة في ظل القانون أو تحولها إلى مظلة للحصانة من المساءلة، مما يهدد الثقة بنظام دولي تُطبق قواعده بعيداً عن أهواء الأقوياء ومصالحهم.

شارك الخبر: