لبنان
سياسة

الفساد في سوريا: هل يختزل الأسد وحده الأزمة؟

المدن١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٢٤ م0 مشاهدة
الفساد في سوريا: هل يختزل الأسد وحده الأزمة؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "لكن الأسد وحده لا يفسّر ما نحن فيه" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم تعد حوادث مثل توزيع البنزين المغشوش في سوريا مجرد وقائع فردية معزولة، بل أصبحت مؤشراً على فساد منهجي في قطاع النفط والمحروقات، حيث سبقتها اتهامات بالفساد المالي لم تُنفَ رسمياً. كما عاد الحديث عن استخدام "حراقات" بدائية في محافظة الحسكة، وهي أدوات كانت تستخدمها سلطات الأمر الواقع سابقاً لتكرير النفط، وعودتها الآن تشير إلى وجود دعم ورعاية لها، بالإضافة إلى توفير النفط الخام.

لا يقتصر الأمر على قطاع النفط، فقد انتشرت مؤخراً أخبار عن ضبط كمية كبيرة من الذهب بحوزة مسؤول أمني متوسط المستوى، وهو من المسؤولين الجدد. وتثير مواكب المسؤولين المتوسطين جدلاً واسعاً في الشارع بسبب مظاهر البذخ التي لا تتناسب مع بلد يعاني من الدمار والفقر، وهو أمر مخجل.

يتجاوز البذخ مجرد البعد المالي، ليبرز انعدام الإحساس بمعاناة المواطنين الفقراء الذين أنهكتهم أطول وأشد النكبات في القرن الحالي. وفي هذا السياق، وصف أحد المسؤولين منتقديه على وسائل التواصل الاجتماعي بـ"القطيع".

تتجسد هذه المظاهر أيضاً في أخبار إنشاء دوّار طرق في حمص ثم إعادة هدمه، مما يثير شبهات حول الفساد أو قلة الكفاءة. وفي مدينة حلب، أصبحت مشاريع إنشاء وتدشين الدوارات الطرقية "التجميلية" مادة للسخرية، في ظل أزمة خانقة في جمع القمامة وتنذر بانتشار الأوبئة.

وبينما احتفت وسائل الإعلام الحكومية باستعادة قطع أثرية مسروقة خلال فترة حكم الأسد، عادت قضية الاعتداء على الآثار إلى الواجهة مع تقارير عن تعديات في تدمر والسلمية، مدفوعة هذه المرة بنظرة أيديولوجية لا تحترم قيمة الآثار كمبدأ.

إن تفاصيل الإدارة، مهما بدت صغيرة، لها تأثير كبير في بناء المؤسسات والدول. ولا يمكن معالجة هذه المظاهر دون الاعتراف بها أولاً، والإقرار بأنها ليست مجرد تصرفات فردية، بل تجد بيئة حاضنة لها صراحةً أو مواربةً. وما يزيد الأمر سوءاً هو تحويل هذه القضايا إلى ساحة للنكايات المتبادلة بين السوريين، حيث يدافع البعض عن هذه الممارسات لمجرد أن معارضين للسلطة ينتقدونها. هذا النوع من "التحزب" يضعف الدولة والسياسة، ويعزز منطق الولاء الذي غالباً ما يقترن بالفساد عالمياً.

في البداية، استُخدم قولان لتبرير السلبيات في العهد الجديد: الأول هو ردّ هذه السلبيات إلى زمن الأسد أو إلى موظفين من تلك الحقبة، رغم أن السلطة الجديدة استبدلت معظم القدامى برجالاتها في المناصب العليا والمتوسطة. القول الثاني كان يدعو إلى "الرأفة" برجالات العهد الجديد، بحجة أنهم لم يمتلكوا الوقت لاكتساب الكفاءات أثناء قتالهم للأسد، وأنه لا يمكن مطالبة من كانوا تحت خطر الإبادة بمؤهلات تضاهي تلك المكتسبة في ظروف طبيعية.

من المؤكد أن عهد الأسد كان يتسم بالفساد، أو آل إليه تدريجياً منذ عهد الأسد الأب. لكن هذا العهد لم يبدأ بالفساد الفاضح الذي نراه اليوم، ربما لأن الأسد كان أكثر دهاءً في بداية حكمه. ومع ذلك، لا يمكن اختصار تلك المرحلة بالفساد وحده، ولا التسليم باستمراره دون استراتيجية واضحة للمعالجة.

لا تقل أهمية عن قراءة موضوعية لعهد الأسد، قراءة مماثلة للفترة التي شهدت تجربة "المناطق المحررة"، حيث انقسم البلد بين سلطات أمر واقع متعددة. الرواية السائدة تختزل هذه السلطات بمقاتلين حققوا النصر على الأسد رغم المؤامرات والتخلي الدولي. لكن الواقع في "المناطق المحررة" يكشف أن سلطات الأمر الواقع لم تكن مثالية، وتشير التقارير الإعلامية المعارضة آنذاك إلى ممارسات استغلال للقوة العسكرية ضد المدنيين، وشبهات فساد عديدة بقيت دون تحقيق، مثل تجارة المعابر والرسوم المفروضة على الأفراد والبضائع، والاقتتال بين الفصائل للسيطرة على هذه المعابر.

لم يكن النفط وتكريره البدائي بعيدين عن شبهات الفساد، من خلال الاستخراج والتكرير والاحتكار. وكان التهوين من شأن هذه التجاوزات يُبرر بالخطر الخارجي المتمثل في الأسد وأدواته. وبذلك، تم التسامح مع ممارسات تشبه ممارسات الأسد من حيث الاستقواء والفساد، وكأن الثورة لم تندلع أصلاً ضد منظومة فاسدة.

انتقل هؤلاء المسيطرون في "المناطق المحررة" بخبراتهم إلى البلد ككل، مع استعلاء على المناطق التي بقيت تحت سيطرة الأسد، وكانت النتيجة واضحة. كما ساهم الترويج للعهد الجديد كسوريا جديدة تقطع مع الماضي في تهميش الخبرات السورية الموروثة، والتي تكونت في مؤسسات تعليمية وعملية سورية. وبطبيعة الحال، كانت المؤسسات تحت سيطرة الأسد أكثر استقراراً ورسوخاً.

إن تهميش الخبرات لصالح القادمين من بيئات صعبة لا ينصف أحداً، ولا يساعد في إعادة إعمار مؤسسات الدولة. المعادلة بسيطة: يجب أن يحصل أصحاب الخبرة على ما يستحقونه، وأن يحصل الذين عانوا من نقص التعليم على التأهيل اللازم، لا أن يُكافؤوا بوظائف تفوق قدراتهم. مع إعطاء الأولوية لمن بقوا في البلد، يجب توفير بيئة مرحبة بعودة الكفاءات من الخارج، خاصة الشباب الذين اكتسبوا خبرات في بلدان الشتات الغربي.

بدون دولة مؤسسات، سيكون من المستحيل بناء نموذج موثوق به داخلياً وخارجياً. واستخدام الأسد كشماعة قد ينقلب ضد النظام لدى الناقمين الذين يتوقون إلى طي صفحته، وصفحات سلطات الأمر الواقع المظلمة.

شارك الخبر: