لبنان
سياسة

زيتون الجنوب: حكاية حياة وأرض تتجاوز صخب البنادق

المدن١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٣٠ م0 مشاهدة
زيتون الجنوب: حكاية حياة وأرض تتجاوز صخب البنادق

تنويه

هذا الخبر بعنوان "سلة زيتون وبندقية" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في جنوب لبنان، يتجلى مشهدٌ يستحق التأمل العميق: عودة رجال ونساء إلى حقول الزيتون، ينحنون فوق التراب بعناية، كأنهم يحتضنون ما نجا من قسوة الزمن. لا ترى في هذا المشهد راياتٍ أو منصاتٍ للخطابة، ولا صوراً للشهداء تتقدم الوجوه. ما تراه هو الأرض وأهلها، وشجرٌ يعرفهم قبل أن تعرفهم الأحزاب، وقبل أن تتعلّم السياسة كيف تتحدث باسمهم.

هذا ليس مجرد موسم زيتون، بل هو مشهد سياسي يحمل دلالاتٍ عميقة، رغم خلوه من الشعارات. في أرضٍ أُثقلت بمعاني الشهادة والفداء، يبدو الفرح بقطاف الزيتون استعادةً هادئة لحق الإنسان في حب أرضه دون أن يموت من أجلها. فالزيتون لا ينمو بالدم، ولا يسأل عن أسماء الشهداء أو موازين القوى، ولا يحتاج إلى عقيدة عسكرية تحرس جذوره. إنه شجرٌ صبور، يطلب من الإنسان البقاء حياً، يحرث الأرض، يقلم الأغصان، ينتظر المطر، ثم يعود في الخريف ليقطف ما أنضجته الشمس وما حفظته العناية. وكل ما عدا ذلك من بطولاتٍ تُروى فوق التراب لا يزيد في الثمر حبّة واحدة.

يعرف أهل الجنوب هذه الحقيقة بالفطرة، حتى وإن حاولت الأيديولوجيات أن تكسوها بمعانٍ أخرى. فالأرض في وجدان الفلاح هي رائحة المطر حين يوقظ ذاكرة الطين، وخشونة الجذع حين تتعرف الكف إلى جذورها، وظل زيتونةٍ تعرف أسماء العائدين وتسألهم عن سبب الغياب. إنها علاقة سابقة على السياسة، وأعمق من الانتماء الحزبي، علاقة لا يثبتها الموت بل تؤكدها الحياة. فالإنسان لا يصبح أكثر انتماءً إلى أرضه حين يُدفن فيها، ولا أقل وفاءً لها حين يختار أن يعيش فوقها.

وهنا يظهر التناقض الأخلاقي والسياسي بين ثقافة الفلاح وأيديولوجيا المقاتل. الفلاح يرى في الأرض وعداً بالحياة، بينما الأيديولوجيا العسكرية تميل إلى تحويلها إلى امتحان دائم للتضحية. الأول يقيس الزمن بالمواسم، والثانية تقيسه بالمعارك. الأول يريد أن يكبر ابنه ليورثه الحقل، والثانية تستدعي الابن إلى تاريخ طويل من الثأر والدم. الفلاح يحلم بخريف يعود فيه إلى أشجاره، فيما تعده عقيدة القتال بمجد قد لا يعود منه.

الفرق بين الاثنين ليس فرقاً في الشجاعة أو في مقدار الحب للأرض، بل هو فرق في معنى الانتماء. فلا تُقاس كرامة الأرض بعدد الذين سقطوا دفاعاً عنها، بل بعدد الذين استطاعوا البقاء فوقها، يزرعون ويحلمون. إن أخطر ما تفعله الأيديولوجيا حين تستوطن الأرض هو أنها تبدل العلاقة بين الإنسان والمكان. يصبح المكان مقدساً بقدر ما يُراق فوقه من دم، ويصبح الموت لغةً عليا للوفاء، فيما تتراجع الحياة اليومية إلى مرتبة تفصيل صغير في حكاية أكبر منها. هكذا يتحول الفلاح، الذي كان صاحب الأرض ومعناها، إلى شخصية ثانوية في رواية يكتبها المقاتلون.

لم تكن أرض الجنوب بلا تاريخ أو بلا صراعات، ولم تكن فردوساً خارج السياسة. لكن ذاكرتها أوسع من ذاكرة السلاح، وهويتها أقدم من أي حزب، وحياة ناسها أغنى من اختزالها في ثنائية القتال والاستشهاد. ولعل ما يجعل فرح القطاف مشهداً بالغ الأهمية هو أنه يعيد الإنسان الجنوبي إلى مركز الحكاية. ليس الفرح هنا نقيضاً للوفاء لمن سقطوا، بل رفضٌ لأن يبقى الموت الشكل الوحيد المعترف به لهذا الوفاء. في انحناءة الفلاح فوق التراب ما لا تقوله المنابر، وفي يد امرأة تجمع الزيتون ما يتجاوز البلاغة الحربية كلها. وفي ضحكة طفل تحت شجرة نجت من القصف، يتجلى معنى الوطن أكثر مما يتجلى في ألف نشيد عن الموت من أجله.

في الجنوب، كانت الأيدي الممتدة إلى أغصان الزيتون تقول شيئاً لا يحتاج إلى بيان سياسي. كانت تقول إن الأرض ليست ملكاً للحرب، وإن حبها لا يستوجب الحداد الدائم، وإن الإنسان الذي يعود إليها حاملاً سلته ليس أقل وفاءً من الإنسان الذي حمل بندقيته دفاعاً عنها. بل لعل أعمق تكريمٍ لمن ماتوا في سبيل الأرض هو أن يتوقف الأحياء عن الموت فيها. فالأرض لا تطلب من أبنائها أن يكونوا شهداء كي تستحق حبهم. إنها تريدهم أحياءً، يزرعونها ويقطفون ثمارها. وفي النهاية، حين تصمت البنادق، وتتبهت الشعارات، وتتبدل أسماء الأحزاب والقادة، ستبقى شجرة الزيتون تنتظر صاحبها. لن تسأله عمّن انتصر، ولا عمّن استشهد، ولا عن الراية التي يحملها. ستسأله، بصمت جذورها العتيقة، لماذا تأخر كل هذا الوقت.

شارك الخبر: