لبنان
سياسة

هدنة ترامب النفطية: بين الرغبة الأمريكية والواقع الأوكراني الروسي المجهول

المدن١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٢٨ م0 مشاهدة
هدنة ترامب النفطية: بين الرغبة الأمريكية والواقع الأوكراني الروسي المجهول

تنويه

هذا الخبر بعنوان "هدنة ترامب النفطية: مصير مجهول" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في مفاجأة غير متوقعة، أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، يوم الأحد الماضي، عن موافقة روسيا وأوكرانيا على وقف متبادل للقصف يستهدف منشآت الطاقة في البلدين. ورغم أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي صرح للإعلام بأنه فوجئ بالإعلان، إلا أنه أبدى موافقته على ما وصفها بـ "هدنة ترامب النفطية"، شريطة موافقة روسيا. لكن موسكو لم تعلق على إعلان ترامب حتى صباح اليوم التالي، فيما استمرت القوات الروسية في قصف محطات توليد الكهرباء في كييف ومدن أوكرانية أخرى.

وكالعادة، لم يقدم ترامب تفاصيل حول شروط الهدنة أو مدتها أو آليات مراقبتها، واكتفى بإعلان عبر منصته للتواصل الاجتماعي: "اعتباراً من الآن، دخلت هدنة في قطاع الطاقة حيّز التنفيذ في الحرب بين روسيا وأوكرانيا. لقد وافق الطرفان عليها. لا تخرقوها!"، حسبما نقلت صحيفة واشنطن بوست.

قبل يوم من هذا الإعلان، اقترح ترامب على الأوكرانيين اختيار قائد جديد قادر على التوصل إلى اتفاق، معتبراً أن زيلينسكي كان بإمكانه إبرام اتفاقات كثيرة لكنه لم يفعل. واتهم زيلينسكي بالتسبب في مشكلات للعالم وللمزارعين الأميركيين بسبب أسعار وقود الديزل.

وكان الباحثان ياسين بوزكوش وياسر أتلان قد تناولا في تحليل نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي (CSIS) في 29 أيلول/سبتمبر 2026، فرص التوصل إلى هدنة في قطاع الطاقة، وخلصا إلى أن فرص نجاحها محدودة رغم وجود مصالح مشتركة قد تدفع الطرفين لقبولها، خاصة مع اقتراب الشتاء وارتفاع أسعار الطاقة. وأشارا إلى أن التجارب السابقة أظهرت أن الاتفاق على وقف الهجمات لا يكفي ما لم تُحدَّد المنشآت المشمولة بالحماية بدقة، وتُنشأ آلية مستقلة للتحقق من الالتزام، وتُعتمد إجراءات واضحة لمعالجة الخروقات. وحذرا من أن وقف الضربات سيحرم أوكرانيا من إحدى وسائل الضغط على الاقتصاد الروسي، فيما ستتخلى موسكو عن وسيلة تستخدمها للضغط على السكان الأوكران عبر استهداف منشآت الكهرباء والتدفئة.

وسبق أن تعثرت محاولات التوصل إلى هدنة مماثلة. ففي آذار/مارس 2025، توصلت واشنطن عبر محادثات منفصلة مع موسكو وكييف إلى تفاهم بشأن وقف الهجمات على منشآت الطاقة لمدة 30 يوماً، لكن التفاهم تعثر سريعاً وسط اتهامات متبادلة بخرقه وغياب آلية مستقلة للتحقق من الالتزام به.

في مقابلة مع موقع "أكسيوس" في 23 أيلول/سبتمبر، كشف زيلينسكي أن الإدارة الأميركية تدفع باتجاه ثلاث خطوات: وقف الهجمات على منشآت الطاقة، وإعادة فتح ممر الحبوب في البحر الأسود، وعقد اجتماع ثلاثي بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا، مؤكداً استعداد كييف لقبول الهدنة.

قبل يومين من إعلان ترامب الأخير، أجرى اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ونقل مساعد الرئيس الروسي للشؤون السياسية، يوري أوشاكوف، عن بوتين تأكيده استعداد موسكو للتوصل إلى تسوية سياسية ودبلوماسية تفضي إلى سلام طويل الأمد مع أوكرانيا، لكنه قال إن استئناف المفاوضات متعذر حالياً بسبب موقف كييف. وناقش الرئيسان التحضير لمبادرات اقتصادية واسعة النطاق، بما فيها توريد المنتجات النفطية الروسية إلى أسواق الولايات المتحدة والعالم.

طرحت صحيفة "المدن" ثلاثة أسئلة على خبيرين أوكرانيين ومستشرق روسي بشأن "هدنة الطاقة" التي أعلن ترامب دخولها حيّز التنفيذ، وحظوظ تطبيقها عملياً. رأى المستشرق الروسي رسلان سليمانوف أن هدنة فعلية غير قائمة في الوقت الراهن، إذ لم تؤكد موسكو وكييف التزامهما بوقف إطلاق النار، فيما تتواصل الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة من الجانبين. واعتبر أن تصريح ترامب لا يعدو كونه أمنية شخصية، وليس اتفاقاً ملموساً يلتزم به الطرفان. وأكد أن وقف إطلاق النار يحتاج إلى وثيقة واضحة ومحددة يوافق عليها الجانبان.

وفي شأن تعارض الهدنة مع سياسة الضغط على روسيا، قال سليمانوف إن إدارة ترامب أوضحت أنها لا تعتزم الاعتماد حصراً على الضغط، بل باشرت مفاوضات مع موسكو. ورأى أن الاتفاق على توريد الديزل الروسي إلى الولايات المتحدة، بصرف النظر عن القيود والعقوبات، يؤكد أن ترامب لا يريد الدخول في مواجهة مع الكرملين، وأنه يضع المصالح الأميركية في المقام الأول. وأضاف أن الضغط الأميركي يتجه، في الوقت الراهن، نحو كييف وزيلينسكي، بسبب تأثير الضربات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية في أسعار النفط.

أما بشأن احتمال رفض أوكرانيا الالتزام بالهدنة إذا استمر القصف الروسي، فقال سليمانوف إن موقف كييف سيتوقف على سلوك موسكو. وأشار إلى أن القيادة الأوكرانية أعلنت مراراً استعدادها لوقف إطلاق النار، لكن الكرملين لا يريد هدنة، بحسب تقديره، لأن استمرار الحرب يخدم مصالح بوتين السياسية. ولذلك لا يتوقع سليمانوف التوصل إلى وقف لإطلاق النار في المدى المنظور.

ويتفق المحلل السياسي الأوكراني فلاديمير فيسينكو مع سليمانوف على أن هدنة فعلية غير قائمة. وذكّر بإعلان سابق لترامب عن هدنة في قطاع الطاقة، لم يلتزم بها أي من الطرفين. وأكد استعداد أوكرانيا لوقف قصف مصافي النفط الروسية إذا التزمت روسيا بالمثل، لكنه رأى أن فرص التوصل إلى هدنة فعلية ضئيلة للغاية. واستشهد بما أورده موقع "أكسيوس" عن اقتصار الهدنة المقترحة على مصافي النفط، مشيراً إلى أن روسيا تمتلك عشرات المصافي، في حين لا يوجد في أوكرانيا سوى مصفاة واحدة شبه مدمرة. واعتبر أن هذا الترتيب غير متوازن ويتجاهل المصالح الأوكرانية، مرجحاً أن ينعكس إعلان ترامب على أسواق المال لفترة قصيرة فقط.

ورأى فيسينكو أن صفقة الديزل بين ترامب وبوتين تتعارض مع سياسة الضغط على روسيا، ولا تساعد على إجراء مفاوضات سلام، بل تقوض فرص التوصل إلى هدنة للطاقة، وتضعف دور الولايات المتحدة وسيطاً في مفاوضات السلام. وعن احتمال امتناع أوكرانيا عن الالتزام بوقف إطلاق النار إذا واصلت روسيا هجماتها، قال فيسينكو إن كييف سترد بالمثل. لكنه رجّح أن تمتنع أوكرانيا مؤقتاً عن قصف مصافي النفط الروسية إذا واجهت خطراً جدياً بوقف الولايات المتحدة تزويدها بالمعلومات الاستخبارية، وربط ذلك بموعد الانتخابات الأميركية في الثالث من الشهر المقبل.

من جهته، قال المحلل السياسي الأوكراني أوليغ ليسني لـ"المدن" إن تنفيذ هدنة ترامب مستحيل عملياً في الظروف الراهنة بسبب موقف روسيا. ورأى أن بوتين يريد تحقيق أهدافه بالقوة، ولن يتخلى طوعاً عن إحدى أدواته العسكرية. وأضاف ليسني أن مطالبة أوكرانيا بوقف قصف منشآت الطاقة الروسية بذريعة استقرار أسواق النفط العالمية، بالتزامن مع تخفيف القيود على الديزل الروسي، تنطوي على خطر تقديم المصالح الأميركية على حساب إضعاف الموقف التفاوضي الأوكراني.

وفي ما يتعلق باحتمال رفض كييف الالتزام بالهدنة، رأى ليسني أنه لا داعي لأن تبحث أوكرانيا حالياً عن سبل التملص منها، ما دام اتفاق نهائي لم يُبرم بين الأطراف. وذكّر باستمرار القصف الروسي بعد إعلان ترامب، في مقابل إعلان زيلينسكي تأييده وقفاً متبادلاً لإطلاق النار.

شارك الخبر: