شربل يكبر: هل يجد سوق العمل مكاناً لاختلافه الفريد؟

تم حذف هذا الخبر من المصدر الأصلي (النهار) بتاريخ ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.
قد يشير حذف الخبر من المصدر الأصلي إلى أن المعلومات الواردة فيه غير دقيقة أو مضللة. ننصح بشدة بالتحقق من صحة هذه المعلومات من مصادر أخرى موثوقة قبل مشاركتها أو الاعتماد عليها.
💡 نصيحة: قبل مشاركة أي خبر، تأكد من التحقق من مصدره الأصلي ومقارنته بمصادر إخبارية أخرى موثوقة.

هذا الخبر بعنوان "حين يكبر شربل: هل يتسع سوق العمل لاختلافه؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الحادية عشرة وخمسة أشهر من العمر، يظهر شربل في مطبخنا، منهمكاً في تقطيع البطاطا واللوبياء وإعداد سندويتش الزعتر باهتمام. يمتزج في داخلي فرحي به وقلقي عليه، وأنا أتأمل الطفل الذي يكبر أمامي، والشاب الذي سيصبح، والعالم الذي ينتظره عند اختياره لمساره المهني. لا يشغلني فقط ما يتعلمه في مدرسته، بل هاجس أعمق: هل سيجد مجتمعاً يمنحه فرصة عمل عادلة، ويقدره بناءً على قدراته، ويحترم اختلافه على طيف التوحد دون أن يحوّله إلى عائق؟
هذا السؤال ليس مجرد شأن عائلي، بل هو سؤال عن مجتمعنا في لبنان، والتزامنا بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وقدرتنا على منح الطاقات المختلفة فرصاً حقيقية للإنتاج، لا مجرد شعارات تُرفع وتُنسى. أتذكر يوم احتفاله بشهادة الروبوتيك، حين قالت معلمته في "مركز الشمال للتوحد" بيقين: "أرى شربل شيفاً"، وأجبته: "وأنا كذلك". في هذا المركز، يتعلم شربل المهن العملية كالنجارة والطبخ والموسيقى، ويتدرب على الاستقلالية. وأدرك أن ما ينقصه ليس المهارة أو الشفقة، بل بيئة عمل مرنة وقابلة للتكيف. فما نفع الحلم إن لم تجد المطابخ مهيأة لاستقباله؟
إن طبيعة سوق العمل الحالية، التي تفترض نمطاً واحداً للإنتاج والتواصل، تحجب طاقات فريدة لا تظهر في المقابلات التقليدية. لا ألوم أصحاب العمل وحدهم، فالكثيرون يترددون لجهلهم بما يتطلبه الأمر، فيخشون الكلفة والمسؤولية والمجهول. لكن الجهل ليس مبرراً لإغلاق الباب.
لقد تنبه المشرّع اللبناني لهذا الحق منذ عام 2000، بصدور القانون رقم 220 الذي خصّص مواده من الثامنة والستين إلى الخامسة والسبعين للعمل. ينص القانون على حق الأشخاص ذوي الإعاقة في العمل وتكافؤ الفرص، ويلزم المؤسسات التي توظف بين ثلاثين وستين شخصاً بتوظيف شخص واحد منهم على الأقل، والمؤسسات التي يزيد عدد موظفيها على ستين بتخصيص نسبة ثلاثة في المئة. وتملك وزارة العمل صلاحية فرض العقوبات على المخالفين.
لكن الهوة عميقة بين النص والواقع. ففي ظل ضعف الرقابة، وتعثر التطبيق، وتجاهل كثير من الشركات للنسبة المقررة، يظل هذا الحق وعداً مؤجلاً للكثيرين ممن يشبهونك يا شربل. حين تقرأ هذه السطور يوماً، أريدك أن تعرف أن العمل حقك وحق أجيال كاملة تشبهك، لا منّة تُسدى ولا إحساناً موسمياً يُنتظر.
أكتب إليك، وإلى كل من بيده باب يُفتح أو يُغلق. ما يتطلبه هذا الحق ليس مستحيلاً. فالمؤسسات الجادة تقيّم المتقدمين بمهاراتهم، وتدرك أن دمج الأشخاص على طيف التوحد لا يتطلب سوى قليل من المرونة والترتيبات التيسيرية المعقولة: كمقابلة في أجواء هادئة، وتعليمات مكتوبة وواضحة، ومدرّب وظيفي يرافق الموظف في بداياته. وهي ترتيبات محدودة الكلفة وتفيد بيئة العمل كلها.
نطالب الدولة ومؤسساتها، ولا سيما وزارة العمل والمؤسسة الوطنية للاستخدام، بتفعيل آليات الرقابة، وإزالة المعوقات التي تعطل تطبيق النص، ونشر بيانات الامتثال بشفافية. ونطالب أصحاب العمل بأن يقابلوا الاختلاف بالفضول لا بالحكم المسبق، فالمهارة التي لا تظهر في مقابلة تقليدية لا تعني أنها غير موجودة.
يا بني، أحلامك تستحق أن يُصغى إليها بجدية، وألا تُترك للمصادفات أو لحسن النيات الفردية. فالمستقبل لا ترسم حدوده التوقعات المسبقة، بل الفرص التي تتيح لك أن تقف خلف منصة الطهي، أو حيث تشاء من دروب الحياة، مستقلاً بنفسك. أتمنى أن يأتي يوم تقطّع فيه البطاطا في مطبخ يعرف اسمك، لا في مطبخنا وحده. والدك.
سياسة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد