لبنان
ثقافة

الجامعة اللبنانية: منارة فكرية واجتماعية إلى واقع جامد في ظل الأزمات

المدن١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٥:٤٦ م0 مشاهدة
الجامعة اللبنانية: منارة فكرية واجتماعية إلى واقع جامد في ظل الأزمات

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الجامعة اللبنانية تفقد دورها السياسي والاجتماعي «العام»" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم تكن الجامعة اللبنانية يوماً مجرد مؤسسة أكاديمية تمنح الشهادات، بل كانت ولا تزال مساحة حيوية للتفاعل الاجتماعي والسياسي، ومختبراً للأفكار، ومنصة لتشكيل تيارات تركت بصمتها في الحياة العامة. إن الحديث عن الجامعة اللبنانية لا يمكن اختزاله في أزمتها المالية والإدارية المتفاقمة، والتي بلغت مستويات غير مسبوقة من تراجع الموارد وتدهور مستوى معيشة الأساتذة. وقد شهد الحراك الطلابي بين عامي 2015 و2023 فعاليات حملت قضايا تهميش ميزانية الجامعة، وجودة التعليم المجاني، والبحث العلمي، في سياق حالة تقشف عامة يعيشها لبنان. لكن الجامعة لا تفقد مواردها فحسب، بل تتراجع قدرتها على إنتاج حياة طلابية فاعلة تنخرط في الشأن العام. نشهد اليوم جموداً فكرياً ورؤيوياً ينذر بانكفاء وتفكك اجتماعي، وهو انعكاس لأزمة أوسع في المجتمع اللبناني تتجلى في تراجع الاهتمام بالقضايا العامة وتآكل مساحات النقاش الجماعي وصعود الفردانية. لذلك، باتت التحركات الطلابية والنقابية للدفاع عن الحقوق أو التأثير في النقاشات الوطنية نادرة، واقتصرت المبادرات على قضايا محدودة مثل تحرك الأطباء المقيمين والمطالبة بمستحقات الجامعة. في ظل تمديد رئاستها كجزء من اتفاق سياسي، يبقى السؤال: ماذا بقي من وظيفة الجامعة؟ هل لا تزال قادرة على إنتاج المعرفة، وتكوين الأفراد، وفتح المجال للنقاش، والمساهمة في تشكيل مستقبل لبنان؟

تأسست الجامعة اللبنانية بنضالٍ عنيد من طلابٍ سعوا لتعميم فرصة التعليم الجامعي المجاني. كان جزء كبير من المنظمين منخرطين سياسياً في أحزاب مثل الحزب الشيوعي، والحزب الاشتراكي، وحزب البعث. وتشير وثائق الجامعة الإلكترونية إلى أن تأسيسها كان وليد حراك شعبي وطلابي كبير انطلق في 23 كانون الثاني 1951، وشهد تظاهرات واشتباكات، مما أدى إلى إنشاء دار المعلمين العليا ومعهد الإحصاء. أصبح فرج الله حنين، شهيد الحزب الشيوعي اللبناني والجامعة اللبنانية، رمزاً لتاريخها، ولو أن إرثه تهمّش لاحقاً. ضمّت الجامعة أيضاً أساتذة بارزين مثل مهدي عامل، وأحمد بيضون، ووضاح شرارة، وشوقي الدويهي، وسعود المولى، وعصام خليفة، الذين لم يقتصر دورهم على التدريس بل امتد إلى البحث والانخراط في قضايا المجتمع. مع صعود حركات احتجاجية بعد الحرب الأهلية، برزت تكتلات طلابية نقابية مثل «طلاب شيوعيون» و«المجموعات اليسارية المستقلة» وجمعية «نحن»، إلى جانب مبادرات مثل نادي «سما»، و«نادي نبض الشباب»، و«الصالون الثقافي». سعى نادي «سما» لجمع الطلاب حول أنشطة مشتركة مع الحفاظ على حس نقابي. بينما اتخذ «نادي نبض الشباب» توجهاً يسارياً واضحاً. وعمل «الصالون الثقافي» على خلق فضاء للحوار خارج الأطر الحزبية. ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية، تعزز التنسيق بين هذه التنظيمات، وتشكلت البذور الأولى لـ«تكتل طلاب الجامعة اللبنانية» و«النادي العلماني». هذه التحركات، رغم تواضع حجمها، مثّلت تقدّماً في مواجهة الجمود، لكن الحرب الحالية قد تؤثر سلباً على قدرة الحركة الطلابية.

على المستوى التربوي والعلمي، رغم اعتبار الجامعة اللبنانية من الجامعات «القوية»، فإن قوتها الأكاديمية تقاس بجودة المناهج ودعم الطلاب، وليس بصعوبة الامتحانات وحدها. يغيب تقييم جودة التعليم وهيئات مستقلة لتقييم البرامج ومتابعة مخرجاتها. يشير الباحث عدنان الأمين إلى أن الجامعة اللبنانية تعاني من أزمة بنيوية ناتجة عن التسييس الطائفي المزمن وضعف الحوكمة وتراجع الدعم الرسمي. انخفض عدد طلابها من 79,300 عام 2019 إلى 66,300 عام 2023، بينما تضاعف عدد طلاب الجامعات الخاصة. يعكس هذا التراجع مساراً طويلاً لإضعاف الجامعة الوطنية مقابل التوسع غير المنظم للجامعات الخاصة. كما يعاني الطلاب من ضيق نفسي شديد، يؤثر على أدائهم الأكاديمي، خاصة الطلاب الأكثر هشاشة اقتصادياً. في هذه الظروف، يضيق هامش الفضول العلمي والاجتماعي والمبادرة الفكرية.

على المستوى التمثيلي والنقابي، لم تعد الانتخابات الطلابية تؤدي وظيفتها. عطّلت الحرب هذا المسار، وغابت ملفات كثيرة تحت وطأة «الأولويات الوطنية الطارئة». لم تصل صورة واضحة عن البرامج الانتخابية للطلاب، ولم تتحول الانتخابات إلى مناسبة للتنافس على إدارة الحياة الجامعية. واجهت محاولات تشكيل لوائح طلابية مستقلة خوفاً من تبعات الانخراط، حتى أن مجرد الترشح أصبح سبباً لتغيير طبيعة العلاقات داخل الحرم الجامعي، وكأن الترشح لا يُفهم إلا من خلال الاصطفاف الطائفي أو السياسي. تصبح المشاركة مكلفة اجتماعياً، مما يثير تساؤلات حول قدرة الجامعة على توفير مساحة آمنة للنقاش والاختلاف والتنظيم دون عزلة أو وصم.

في زمن الشلل، تبرز أهمية التسييس بمعنى استعادة الحياة السياسية والاجتماعية داخل الجامعة. فالمقصود ليس تحويلها إلى ساحة للصراع الحزبي أو الطائفي، بل جعل النقاش ممكناً، والاختلاف طبيعياً، والتنظيم حقاً، والمشاركة في الانتخابات الطلابية فعلاً عادياً. إن حاجة الطلاب إلى هذا الوعي أكثر إلحاحاً لمواجهة منظومة الأزمات التي تمس تجربتهم الجامعية اليومية، من الواسطة والمحسوبيات إلى صعوبة الوصول إلى الخدمات وأزمة البنية التحتية. لكن المشكلة تكمن في غياب القدرة الجماعية على تحويل هذه الأزمات إلى مطالب واضحة والدفاع عنها بصورة منظمة. تحويل الانكفاء إلى قاعدة عامة يترك المجال مفتوحاً أمام من يملكون القدرة على التنظيم والتأثير.

شارك الخبر: