الأرض ليست مجرد ملكية: البعد اللاهوتي والوجودي للانتماء للمكان في المسيحية اللبنانية


هذا الخبر بعنوان "موت المكان قبل موت الجماعة المسيحية والأرض فعل لاهوتي وجودي" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
الأرض تتجاوز كونها مجرد مساحة جغرافية أو أصل عقاري تحدد قيمته السوق. إنها فضاء تتجسد فيه الأحداث التاريخية، وتتشكل فيه الذاكرة، ويتحول فيه الانتماء إلى حياة مشتركة. عندما تُختزل الأرض إلى مجرد ثمن، يبرز سؤال أعمق يتجاوز الملكية: ماذا يخسر الإنسان بفقدان المكان الذي تشكلت فيه علاقته بماضيه؟ وماذا تخسر الجماعة بتراجع قدرتها على الاستمرار في أرضها؟
في السياق المسيحي اللبناني، يكتسب هذا السؤال بعداً لاهوتياً وفلسفياً خاصاً. ترتبط العلاقة بالأرض بتاريخ جماعات حملت إيمانها عبر الأجيال، وبقرى وكنائس وبيوت وذاكرة اجتماعية أسهمت في تكوين تجربتها اللبنانية. يصبح الدفاع عن الأرض بحثاً في شروط البقاء التاريخي، وفي العلاقة بين الإيمان والمكان، وبين حرية الفرد وقدرة الجماعة على تقرير مستقبلها.
يقف سرّ التجسّد، "والكلمة صار جسداً وحلّ بيننا" (يوحنا 1: 14)، شاهداً على دخول الإيمان في صميم التاريخ الإنساني. يعيش الإنسان في جسد، وينتمي إلى جماعة، ويتكون وعيه ضمن لغة وذاكرة وعلاقات. التاريخ هو المجال الذي تُعاش فيه الخبرة الإنسانية، والمادة جزء من العالم الذي يتفاعل معه الإنسان ويمنحه معنى من خلال العمل والمحبة والمسؤولية.
يمنح التجسّد مدخلاً لاهوتياً لفهم أهمية المكان. فالمسيحية، التي تعترف بقيمة الجسد والتاريخ، ترى في الأرض مجالاً للوفاء والالتزام، وفي الذاكرة مسؤولية تجاه الأجيال، وفي استمرار الجماعة شأناً يتجاوز المصالح الفردية الآنية. يجب التمييز بين الإيمان بالأرض وتقديسها؛ فالأرض ليست صنماً، والملكية ليست امتيازاً مطلقاً، والانتماء لا يمنح جماعة حقاً فوق حقوق سواها. تنبع القيمة اللاهوتية للتجذّر من المسؤولية التي يضعها التاريخ أمام الإنسان: كيف يحفظ ذاكرته، ويصون كرامة جماعته، ويشارك في بناء مستقبل مشترك مع الآخرين؟ اقتلاع الإنسان من شروط حياته التاريخية مسألة تستحق التفكير الأخلاقي والسياسي، فحين تفقد الجماعة قدرتها على الاستمرار في المكان الذي تكوّنت فيه، تتعرض إحدى ركائز ذاكرتها وحضورها في العالم للاهتزاز.
تتجاوز الحرية في فلسفة هيغل الإرادة الفردية المستقلة عن السياق. إنها تتشكل من خلال الاعتراف المتبادل، والعمل، والعلاقات الاجتماعية، والمؤسسات التي تتيح للإنسان ممارسة إرادته ضمن عالم مشترك. يمكن مساءلة التصور الذي يختزل الحرية في القدرة على الانتقال أو التحرر من كل ارتباط تاريخي. يستطيع الإنسان أن يختار مكان إقامته، وينفتح على ثقافات متعددة، ويبني حياته خارج موطنه. لكن الحرية تكتسب بعداً آخر حين تتصل بقدرته على المشاركة في تقرير مصير الجماعة، والتأثير في العالم الذي يعيش فيه.
الأرض ليست شرطاً مطلقاً للحرية، وامتلاكها لا يضمن الاستقلال تلقائياً. غير أنها قد تشكل أحد الأطر المادية والاجتماعية التي تتحقق فيها الحرية الجماعية. فالقرية التي تحتفظ بأهلها ومؤسساتها وذاكرتها تتيح لأبنائها مجالاً للمشاركة في الحياة العامة، فيما قد يؤدي تراجع حضورهم إلى إضعاف قدرتهم على التأثير في مستقبلها. هنا تكمن المفارقة: يستطيع الإنسان أن يملك حرية قانونية في بيع أرضه، فيما تتراكم نتائج عمليات البيع والهجرة على نحو يحدّ من قدرة جماعته على تقرير مصيرها. حرية الفرد وحرية الجماعة مستويان متمايزان، وقد ينشأ بينهما توتر يستدعي التفكير في شروطه، بدل الاكتفاء بأحكام أخلاقية على الأفراد.
تعيش المجتمعات الحديثة تحت تأثير اقتصاد يمنح السوق دوراً واسعاً في تحديد قيمة الأشياء، خاصة في المجال العقاري حيث الأرض سعر، والموقع استثمار، والبيت أصل مالي. تؤدي الملكية دوراً مشروعاً في الاقتصاد، ويظلّ حق التصرّف بها جزءاً من الحقوق القانونية للأفراد. غير أنّ اختزال القيمة الإنسانية للمكان في قيمته السوقية يطرح مشكلة أعمق. فالبيت قد يكون إرثاً عائلياً، والقرية شبكة من العلاقات، والأرض مستودعاً لذكريات تتجاوز حياة مالكها الحالي. وهذه الأبعاد لا تظهر كاملة في ميزان الأسعار.
يلتقي نقد تسليع الأرض مع الدفاع عن التجذّر. فحين تتضافر المضاربات العقارية مع الضغوط الاقتصادية، وضعف فرص العمل، وتراجع الخدمات العامة، قد تصبح مغادرة القرى نتيجة لظروف تضيق فيها الخيارات المتاحة أمام السكان. وقد يبيع الإنسان أرضه لتسديد ديونه أو تأمين مستقبل أبنائه أو مواجهة أزمة معيشية. لا يجوز تحويل هذه القرارات إلى اتهامات بالخيانة أو التخلي عن الهوية. لكن احترام حرية المالك لا يعفي المجتمع من مساءلة النتائج الجماعية للتحولات العقارية المتراكمة. فعندما تتراجع قدرة السكان على البقاء، تتغير بنية القرى وعلاقاتها الاجتماعية، وقد تضعف المؤسسات التي حفظت ذاكرتها وأتاحت لأبنائها المشاركة في الحياة العامة. المسألة هنا ليست إدانة البيع في ذاته، وإنما فهم الشروط التي تجعل الأرض عبئاً اقتصادياً على أهلها، وتجعل الرحيل أحياناً أكثر قابلية للحياة من البقاء. من دون سياسات إنمائية عادلة، وفرص عمل، وخدمات أساسية، وحماية قانونية من الاستغلال، تبقى الدعوة إلى التجذّر خطاباً وجدانياً عاجزاً عن معالجة أسبابه الواقعية.
بالنسبة إلى المسيحي اللبناني، تحمل الأرض دلالة تتجاوز الملكية الفردية. إنها جزء من تاريخ جماعات أسهمت في تكوين لبنان، وفي بناء مؤسساته الثقافية والتربوية والاجتماعية، وفي صياغة تصوّرات متعددة عن الحرية والتعددية ومحاولة العيش المشترك. تظهر أهمية هذا التاريخ في القرى التي احتفظت، عبر أجيال، بكنائسها وبيوتها ولهجاتها وتقاليدها وشبكات التضامن فيها. فهذه العناصر تشكّل ذاكرة حية، وتمنح الانتماء امتداداً اجتماعياً يتجاوز الشعور الفردي. وعندما يضعف حضور السكان في أماكنهم، يصبح السؤال متعلقاً بمستقبل المؤسسات والعلاقات التي حملت هذه الذاكرة.
مع ذلك، لا يمكن اختزال الوجود المسيحي اللبناني في حدود جغرافية مغلقة، ولا اعتبار الهجرة نفياً للإيمان أو خسارة حتمية للهوية. فقد حمل اللبنانيون المسيحيون إيمانهم وثقافتهم إلى بلدان كثيرة، واستطاعوا بناء جماعات ومؤسسات خارج لبنان. غير أنّ استمرار هذه الجماعات في الانتشار العالمي لا يلغي أهمية الحفاظ على حضورها التاريخي في وطنها. فثمة فرق بين قدرة الفرد على الاحتفاظ بهويته أينما عاش، وقدرة جماعة تاريخية على مواصلة حضورها في مكان نشأت فيه علاقاتها ومؤسساتها وذاكرتها. الأولى تتصل بحرية الإنسان وإمكاناته؛ والثانية ترتبط أيضاً بشروط اجتماعية وسياسية واقتصادية تتيح الاستمرار عبر الأجيال. يصبح الدفاع عن الحضور المسيحي في القرى جزءاً من الدفاع عن التعددية اللبنانية. فالتعددية تحتاج إلى جماعات حية، قادرة على المشاركة المتكافئة في الحياة العامة، وعلى صون خصوصياتها الثقافية ضمن دولة تحمي الحقوق وتضمن المساواة. وكلما تراجعت قدرة جماعة على الاستمرار في مكانها، ازدادت أهمية السؤال عن الأسباب والنتائج، بعيداً عن التخوين أو التعميم.
تستحق بعض التصورات الفردانية والكوزموبوليتية مراجعة نقدية حين تقدّم الانتماء المحلي باعتباره عبئاً على حرية الإنسان، أو تتعامل مع الجذور كأنها بقايا ماضٍ ينبغي التخلص منه. فالانفتاح على العالم قيمة إنسانية، لكنه يفقد شيئاً من معناه حين يترافق مع ازدراء الذاكرة، أو مع تجاهل الشروط التي تسمح للجماعات بالحفاظ على حضورها التاريخي. وفي المقابل، قد يتحوّل خطاب التجذّر نفسه إلى أداة انغلاق حين يربط الهوية بملكية الأرض وحدها، أو يضع الجماعات في مواجهة بعضها، أو يجعل الخوف من الآخر أساساً للانتماء. لذلك، يحتاج الدفاع عن الأرض إلى معيار أخلاقي واضح: صون حق الجماعة في الاستمرار، مع احترام حرية الفرد وحقوق الآخرين ومبدأ المواطنة المتساوية.
التجذّر الناضج يمنح الإنسان موقعاً يقف منه أمام العالم، وذاكرة يستطيع أن يدخل بها في الحوار، ومسؤولية تجاه المكان الذي أسهم في تكوينه. أما الانغلاق فيحوّل الجذور إلى حدود تخنق الحياة، ويجعل الماضي حاجزاً أمام المستقبل. إنّ لبنان الذي يستحق الدفاع عنه هو وطن يستطيع أبناؤه أن يبقوا فيه بكرامة، وأن يرحلوا عنه بحرية، وأن يحتفظوا بانتمائهم أينما أقاموا. وهو وطن يحمي حق الملكية بالقانون، ويواجه الاستغلال والمضاربات غير المشروعة، ويعمل على إنماء القرى والمناطق، ويتيح لجميع جماعاته المشاركة في تقرير مستقبله. ينبغي أن يتحوّل التجذّر من شعار عاطفي إلى مشروع سياسي واجتماعي. فالدفاع عن الأرض يقتضي تنمية المناطق المهمّشة، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات، وحماية البيئة والتراث، وتأمين شروط تتيح للأجيال الجديدة أن تختار البقاء من موقع الكرامة والاستقلال. كما يقتضي الاعتراف بأنّ الأرض مسؤولية مشتركة، وأنّ قيمتها التاريخية لا تبرّر انتهاك حقوق أي إنسان.
تضعنا المسيحية أمام عالم ملموس، يعيش فيه الإنسان إيمانه عبر علاقاته وأفعاله ومسؤوليته تجاه الآخرين. وتساعدنا الفلسفة على فهم أنّ الحرية تحتاج إلى شروط واقعية واجتماعية، وأنّ الجماعة لا تستمر بمجرد الاحتفاظ بذكريات الماضي، وإنما بقدرتها على تحويل هذه الذاكرة إلى حياة ومؤسسات ومشاركة في صناعة المستقبل. من هنا، تكتسب الأرض معناها بوصفها مجالاً للوفاء والعمل والحرية. إنها ذاكرة مادية، وفضاء اجتماعي، وأفق تتلاقى فيه حقوق الفرد ومسؤوليات الجماعة. وحين تصبح مغادرتها الخيار الوحيد القابل للحياة، تبرز مشكلة تتجاوز قرار المالك إلى السياسات والظروف التي أحاطت به.
التجذّر الذي يستحق الدفاع عنه هو الذي يحفظ للجماعة حقها في الاستمرار، وللفرد حريته في الاختيار، وللمجتمع تعدديته. وهو تجذّر يستمدّ قوته من العدالة، ويجد معناه في المسؤولية، ويثبت أصالته بقدرته على الانفتاح على الآخر. فالبقاء في الأرض، حين يستند إلى الكرامة والحرية والعدالة، فعل مسؤولية تاريخية. والتجذّر، حين يصون الذاكرة ويحترم الإنسان، يصبح أحد الشروط التي تحفظ للجماعة حضورها ومستقبلها.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة