لبنان
تكنولوجيا

استراتيجية لبنان للذكاء الاصطناعي 2032: طموحات كبيرة وتحديات واقعية

النهار١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٤٦ ص0 مشاهدة
استراتيجية لبنان للذكاء الاصطناعي 2032: طموحات كبيرة وتحديات واقعية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "استراتيجية الذكاء الاصطناعي في لبنان: طموح واقعي؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تستند استراتيجية الذكاء الاصطناعي في لبنان، تحت عنوان "The Next Republic is Digital: Lebanon’s National Artificial Intelligence Strategy 2032"، إلى رؤية طموحة لدمج هذه التقنية في الاقتصاد والإدارة العامة. تركز الاستراتيجية على تطوير التطبيقات والاستفادة من التقنيات العالمية بدلًا من التنافس المباشر مع الشركات الكبرى في تصنيع الرقائق أو تطوير النماذج الأساسية. ومع ذلك، يتطلب تقييم هذه الاستراتيجية النظر في مدى توافقها مع الواقع البنيوي والمالي والمؤسساتي للبنان، وقابليتها للتنفيذ ضمن جدول زمني واقعي، وقدرتها على تحقيق قيمة اقتصادية مستدامة.

تبرز إحدى أبرز نقاط الضعف في الاستراتيجية في ترتيب الأولويات. فعلى الرغم من إقرارها بأن الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والخدمات الرقمية تتطلب كهرباء موثوقة، إلا أنها تضع ضمن أهداف السنة الأولى استخدام التحليلات للكشف عن الهدر في شبكة كهرباء لبنان، بالتوازي مع التوسع في الخدمات الرقمية. إن معالجة الهدر خطوة ضرورية، لكنها لا تغني عن تأمين بنية تحتية قادرة على استيعاب اقتصاد رقمي متقدم. يتطلب نجاح هذه الرؤية خطة متكاملة تشمل الكهرباء، الاتصالات، الألياف الضوئية، الحوسبة السحابية، مراكز البيانات، والأمن السيبراني، بالإضافة إلى قواعد بيانات دقيقة وإدارة عامة قادرة على التنفيذ. بدون تحديد الحد الأدنى من الجاهزية للاقتصاد الرقمي وتكاليفه ومصادر تمويله ومواعيد إنجازه، يصبح التوسع الرقمي سابقًا لشروطه الأساسية.

تثير الأهداف الاقتصادية للاستراتيجية تساؤلات منهجية. تستهدف الاستراتيجية رفع مساهمة الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد من 150 مليون دولار إلى أربعة مليارات دولار خلال خمس سنوات، وزيادة الصادرات المدعومة به من 100 مليون إلى ملياري دولار، بالإضافة إلى زيادة عدد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تستخدمه من خمسة آلاف إلى ثمانين ألفًا. هذه الأرقام تمثل مضاعفة كبيرة في فترة محدودة، في ظل القيود المالية والاستثمارية التي يعانيها لبنان. لا يكفي إعلان هذه الأهداف لإثبات واقعيتها، بل يجب تحديد منهجية احتساب القيمة المضافة، والفصل بين النشاط الاقتصادي الجديد وإعادة تصنيف الخدمات القائمة، وتقدير الاستثمارات اللازمة والإنتاجية المتوقعة والطلب الخارجي. يتطلب ذلك وضع سيناريوهات مختلفة وخطوط أساس قابلة للتحقق ومؤشرات لقياس النتائج الفعلية.

يبرز تحدٍ آخر في الهيكل المؤسسي المقترح، الذي يتضمن محركًا تنفيذيًا للذكاء الاصطناعي (LEDAIA)، ومجلسًا وطنيًا، ووظائف مستقلة للأمن السيبراني والتقييم وإدارة البرامج والرقابة. إن إنشاء هذه الهياكل قد يؤدي إلى تداخل الصلاحيات وتعدد مستويات القرار. في دولة تعاني ضعف التنسيق الإداري ومحدودية الموارد، ينبغي إعطاء الأولوية لإصلاح المؤسسات القائمة وتحديد مسؤولياتها. الذكاء الاصطناعي تقنية أفقية لا تستلزم بطبيعتها إنشاء وزارة مستقلة أو جهاز إداري موازٍ.

تمنح الاستراتيجية الاغتراب اللبناني دورًا محوريًا في استقطاب الاستثمارات وفتح الأسواق وتوفير الخبرات، مستندة إلى تقدير يبلغ نحو 15 مليون لبناني في الخارج. لكن الانتشار الاغترابي يمثل رصيدًا محتملًا، لا التزامًا استثماريًا مضمونًا. يتطلب تحويل العلاقات المهنية إلى عقود واستثمارات بيئة أعمال مستقرة، وقضاء فعال، وحماية للملكية، وقواعد واضحة لتحويل الأموال وحوافز مدروسة. كما أن استهداف صندوق وطني بقيمة 150 مليون دولار واستقطاب أكثر من 500 مليون دولار من الاستثمارات الخاصة والاغترابية لا يثبت توافر التمويل، ويتطلب تحديد مساهمات الدولة والقطاع الخاص وآليات اختيار المشاريع.

التركيز على طبقة التطبيقات، مع الاعتماد على مزودي الحوسبة السحابية والنماذج العالمية، قد يكون خيارًا اقتصاديًا عقلانيًا. لكن الكفاءة المالية لا ينبغي أن تتحول إلى تبعية استراتيجية. فالاعتماد على واجهات برمجية تجارية قد يعرض الخدمات العامة لتغير الأسعار وشروط الاستخدام والقيود الجغرافية والعقوبات. لذلك، تتطلب السيادة الرقمية السيطرة على البيانات الحساسة، وتعدد المزودين، والاحتفاظ بقدرات محلية لتشغيل النماذج المناسبة وتطوير التطبيقات.

لا تقل أهمية إصلاح الإدارة العامة عن البنية التحتية. فرَقمنة المعاملة لا تعني بالضرورة تبسيطها، وإدخال الذكاء الاصطناعي لا يضمن صحة القرار. يتطلب ذلك تنقية السجلات وتوحيد البيانات ووضع آليات للاعتراض على القرارات الآلية، وإطار قانوني لحماية الخصوصية وتحديد المسؤولية عن الأضرار. في مجال التعليم والاقتصاد، لا يكفي قياس النجاح بأعداد المتدربين أو مستخدمي الأدوات. فتدريب مليون شخص وتمكين خمسة عشر ألفًا من بناء تطبيقات يحتاجان إلى تمييز بين الاستخدام الأساسي للأدوات وبين تطوير المهارات الهندسية وإنتاج المعرفة. يتطلب بناء صناعة محلية الاستثمار في الجامعات وعلوم الحوسبة وهندسة البيانات والأمن السيبراني، وربط البحث العلمي باحتياجات الاقتصاد.

أخيرًا، لا تثبت مؤشرات مثل عدد المستخدمين أو الخدمات الحكومية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحقيق أثر اقتصادي أو اجتماعي حقيقي. ينبغي قياس الإنتاجية والقيمة المضافة وجودة الخدمات وتكلفتها ومعدلات الأخطاء وحوادث الأمن السيبراني. إن اعتماد الاستراتيجية ينبغي أن يرتبط بدراسة جدوى اقتصادية منشورة، وخطة جاهزية وطنية، ومراجعة للهيكل المؤسساتي، وإطار للسيادة الرقمية. لبنان لا يحتاج إلى إعلان نفسه جمهورية للذكاء الاصطناعي قبل بناء دولة رقمية فعالة. الأولوية هي تأمين الكهرباء والاتصالات والبيانات السليمة والإدارة الخاضعة للمحاسبة، ثم توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز الإنتاجية وتحسين الخدمات. فالذكاء الاصطناعي أداة للإصلاح، وليس بديلًا عنه.

شارك الخبر: