من منظور مسيحي: كيف نواجه الأزمات السياسية والاجتماعية؟


هذا الخبر بعنوان "قراءة مسيحية في الأزمات والسياسة" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُحكى قصة سفينةٍ تضاربت آراء طاقمها. وبعد صراع طويل، تمزقت أشرعتها، وانكسرت دفّتها، وضلت طريقها، حتى ارتطمت بصخرة كبيرة، فتحطمت وغرقت. مات الكثيرون، ونجا قليلون. أما الناجون الذين وصلوا إلى الشاطئ، فلم يعودوا كما كانوا؛ فقد حملوا جروحاً عميقة شوهت رؤيتهم للحياة وزعزعت ثقتهم بالعالم. هذه الصورة المجازية تختزل واقعاً مؤلماً تعيشه العديد من المجتمعات، حيث تتحول الخلافات إلى انقسامات، والانقسامات إلى صراعات تقوّض أسس العيش المشترك والسلام. أليس لكل مجتمع بشري سفينته وصراعاته؟ وإذا انقسم البيت على نفسه، فكيف يثبت؟ (مرقس 3: 25). كثيراً ما يخيم على حياة الناس شعورٌ عبّر عنه النبي أشعيا بقوله: "انكسرت الأرض انكساراً... وتزعزعت الأرض تزعزعاً" (24:19). ولا يغفل الكتاب المقدس عن جذور الشر المتجذرة في قلوب البشر: "من أين الحروب والخصومات بينكم؟ أليست من هنا، من شهواتكم المحاربة في أعضائكم؟" (يعقوب 4: 1). فالانشقاق والخصام هما ثمرة سلوكٍ يخنق آفاق الروح ويسمّم النفوس والمجتمع على حد سواء. فالحسد ينخر العظام (أمثال 14: 30) والغيرة أشد من السخط (27: 4)، والغضب يثير الخصومة (15: 18). وما ينبع من القلب لا يبقى حبيساً للفرد، بل يمتد إلى العلاقات الإنسانية فيفسدها ويهدد تماسكها. ألم يقل المسيح نفسه: "وأما ما يخرج من الفم فمن القلب يصدر، وذلك ينجّس الإنسان. فمن القلب تخرج الأفكار الشريرة" (متى 15: 18-19)؟ ويعبر الرسول يعقوب عن هذا الترابط بدقة بقوله: "حيث الغيرة والخصام، هناك التشويش وكل أمر رديء" (3: 16). في حديثه عن "العالم المكسور" (Le monde cassé)، يتناول الفيلسوف الفرنسي غابريال مارسيل (1889–1973) عالماً يضيق فيه معنى الوجود حين يُختزل الإنسان في وظائفه، وتُهمّش حاجته إلى الحضور والمشاركة. ويظهر هذا الانكسار جلياً في تصدّع الروابط الإنسانية، وفي مقدمتها الثقة والوفاء والمسؤولية والحضور المتبادل، بما يهدد الحياة المشتركة. ويزداد الأمر سوءاً في البلدان التي تطول فيها الحروب والأزمات الداخلية، ويتحول العيش فيها إلى صراع يومي من أجل البقاء. ومن المؤلم أن يُحرم الناس فرصة بناء حياة أكثر كرامة واستقراراً. لا تقتصر آثار هذه الأزمات على الخسائر المادية والبشرية، بل تخلف ما يسميه عالم الاجتماع الأميركي كاي ثيودور إريكسون (1931-2025) "الصدمة الجماعية"، التي تطال الأفراد وتمس النسيج الاجتماعي كله. وعندما تصيب الصدمة هذا الواقع الحياتي برمته، قد يضعف الشعور بالأمن الاجتماعي وتتراجع الثقة بالمؤسسات المعنية بحماية الحقوق، ويتزعزع إيمان الناس بإمكان بناء حياة مشتركة لائقة بهم. لا تقف آثار الصدمة عند ما تتركه في الذاكرة، بل تمتد إلى علاقة الإنسان بالمستقبل، فتضيق آفاقه ويثقل كاهله بالخوف وعدم اليقين. وما إن تتزعزع الثقة بالدولة والمسؤولين عنها، يتجاوز الشعور بالعجز حدود المشكلات اليومية ليطاول الشأن العام. ويغدو حل أبسط المشكلات أمراً بالغ الصعوبة. وإذا تضاءلت آمال الناس في إصلاح مجتمعاتهم، انكفأ كل منهم إلى البحث عن خلاصه الشخصي، فتتقدم فكرة النجاة الفردية على المصير المشترك، ويتراجع الإيمان بالعيش معاً. وعندئذٍ يفقد الشأن العام معناه، ويصبح مجالاً للريبة والعجز. ومع بلوغ هذا التقهقر مداه، تضعف روابط الانتماء، وتسيطر روح اللامبالاة وعدم المسؤولية، ويغدو الوطن مجرد حيز للإقامة، أشبه بمضافة عابرة. وليس من السهل أن يعيش الإنسان وسط حطام اجتماعي وسياسي، أو أن يرسم لحياته أفقاً واضحاً مع تراكم خيبات الأمل وتقلص إمكانات التغيير. ولا عجب أن يجد الإنسان صدى ليأسه في كلمات سفر حزقيال: "يبست عظامنا، وانقطع رجاؤنا" (حزقيال 11: 37). صحيح أن مسار التاريخ ثقيل، ويصعب الإفلات من وطأته، غير أن الإيمان بقدرة الله على العمل في الزمن يفتح بعداً آخر: "فالذين يرجون الرب يجددون قوتهم" (أشعيا 40: 31). وعلى الرغم من كل شيء، يجب ألا تُترك للانهيار الكلمة الأخيرة، وإلا سيسقط الوجود في قبضة اليأس ووهدة الألم. ولعل ما قاله الطبيب والمفكر النمساوي فيكتور فرانكل (1905–1997) يضيء هذا المعنى، إذ يرى أن الإنسان، حتى بعد أن تُسلب منه حريات كثيرة، يبقى قادراً على اختيار موقفه من الظروف التي يجد نفسه فيها. غير أن الرجاء المسيحي لا يقتصر على الصمود أمام الواقع المرير، بل يدفع الإنسان إلى العمل بمحبة، لأن "الرجاء لا يخزي" (روما 5:5). لذلك لا يستطيع المسيحي أن ينظر إلى حطام المجتمع ويكتفي بالحزن عليه، أو أن يحوّل خيباته إلى ذرائع للانسحاب من الشأن العام. فحين يصبح الرجاء قوة وحياة، يتحول إلى مسؤولية تجاه الذات والآخرين. المجمع الفاتيكاني الثاني، الذي انعقد بين عامي 1962 و1965، جعل من ناحيته انخراط العلمانيين في الشؤون الزمنية جزءاً أساسياً من دعوتهم، داعياً إياهم إلى السعي إلى ملكوت الله من خلال حضورهم في العالم والعمل فيه كالخميرة. وأكد أن السياسة مدعوة إلى خدمة الخير، وأن ممارستها تقتضي النزاهة والحكمة، وتقديم مصلحة الجميع على المصالح الخاصة. وعلى المسيحيين أن يشهدوا لقيم الصدق والنزاهة التي يدعو إليها الإيمان، وأن يترجموها مسؤولية في العائلة والمؤسسات والدولة والاقتصاد والثقافة. وتتجلى هذه المسؤولية بوضوح في المشاركة السياسية، بحيث يصبح التزام المسيحيين خير الناس ومستقبلهم فعلاً ملموساً. لطالما شدد يوحنا بولس الثاني على أن العلمانيين في الكنيسة لا يستطيعون التنحي عن الحياة العامة، لأن مشاركتهم فيها تندرج في صميم مسؤوليتهم الإنسانية والمسيحية. وعلى السياسيين بالتالي تقع مسؤولية ممارسة السلطة خدمة للصالح العام، والسعي إلى تحقيق الخير والعدالة، لا توظيفها لتحقيق مكاسب خاصة. والبابا فرنسيس بدوره، دعا إلى استعادة قيمة السياسة، معتبراً إياها "دعوة سامية، وإحدى أسمى صور المحبة، ما دامت تسعى إلى الخير العام". وإذ تُمارس السياسة على هذا النحو، تستعيد معناها الإنساني، وتساهم في ترميم الثقة المتصدعة. ختاماً، لا يملك المسيحي وعداً بأن الحطام سيزول سريعاً، بل رجاء راسخاً يرفض أن يكون الدمار والتفتت مصيراً نهائياً. وهذا الرجاء ليس فضيلة إنسانية بحتة، بل استجابة لنعمة الله التي تسبق الإنسان وتدعوه إلى تجسيد إيمانه في التاريخ. ومن هذه النعمة تنشأ مسؤوليته عن الآخر، وعن الخير الذي لا يزال ممكناً في أرض أنهكتها الانقسامات والحروب. وربما لا يضمن الرجاء أن يأتي المستقبل كما نريد، لكنه يرفض أن يكون الحاضر حكماً نهائياً عليه، ويبقي الإنسان ملتزماً العمل من أجل ما يرجوه. وإذ يبدو أن الخراب قد سد سبل النهوض، وأن الغموض يكتنف وجهة المستقبل، يبقى الإيمان بأن النعمة قادرة على فتح أبواب يعجز الإنسان عن تصورها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة