لبنان
اقتصاد

مجلس النقد في لبنان: هل يصبح الحل النقدي المستدام بعد الحرب؟

المركزية٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٣٨ م0 مشاهدة
مجلس النقد في لبنان: هل يصبح الحل النقدي المستدام بعد الحرب؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الاستقرار النقدي في لبنان بعد الحرب: هل يصبح مجلس النقد الخيار التالي؟" نشر أولاً على موقع المركزية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

فتح مصرف لبنان نقاشاً تقنياً حول نظام مجلس النقد (Currency Board)، وهو أحد أكثر الأنظمة النقدية تشدداً، وذلك من خلال عقد سلسلة ورش عمل عبر تقنية "زووم" مع خبراء ومصرفيين لعرض آلية عمله وتجارب الدول التي اعتمدته. يأتي هذا النقاش بعد نجاح مصرف لبنان في تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية وسط حرب وضغوط مالية واقتصادية غير مسبوقة، مما يطرح تحدياً يتمثل في تحويل هذا الاستقرار المؤقت إلى استقرار مستدام يمنع تكرار الانهيار الاقتصادي الذي شهدته البلاد منذ عام 2019.

تؤكد مصادر مصرف لبنان أن الهدف من ورش العمل كان التعرف على آلية عمل مجلس النقد وأسباب نجاحه أو إخفاقه في الدول التي طبقته، باعتباره أحد الخيارات المطروحة للدول الصغيرة أو التي تعاني اضطرابات سياسية واقتصادية. وتشدد المصادر على أن المصرف لم يتخذ أي قرار في هذا الاتجاه، وأن الأولوية تبقى للاستمرار في سياسة الاستقرار النقدي الحالية. وأشارت إلى أن أي نقاش حول تحرير سعر الصرف أو اعتماد مجلس النقد يتطلب توافر عناصر أساسية، أبرزها استقرار الوضع الأمني، وتوقف الحرب، وعودة الوافدين والاستثمارات وتدفق الرساميل إلى البلاد.

وتشير المصادر إلى أن المحافظة على هذا الاستقرار لا تعتمد على مصرف لبنان وحده، بل تتطلب أيضاً انضباطاً مالياً من الدولة عبر ضبط الإنفاق وتعزيز الإيرادات. ويكمن الخطر عندما تتجاوز النفقات الإيرادات، وهو أمر لا يزال تحت السيطرة رغم تراجع الإيرادات بنحو 30% عن المستوى المتوقع في الموازنة نتيجة تباطؤ النشاط الاقتصادي. وقد يستوجب تحقيق التوازن المالي إجراءات غير شعبية، مثل فرض بعض الرسوم والضرائب، ومنها اقتراح زيادة ضريبة القيمة المضافة بنسبة 1%، وهو ما لم يقره مجلس النواب.

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي باتريك مارديني أن النقاش حول مجلس النقد لا ينطلق من تفضيل سعر صرف ثابت أو عائم، بل من مشكلة طباعة العملة الوطنية بكميات تفوق حاجة الاقتصاد. يقوم مجلس النقد على قاعدة صارمة تتمثل في تغطية كل ليرة متداولة باحتياط كامل من الدولار أو عملة أجنبية محددة. هذا يمنع المصرف المركزي من إصدار أي كمية إضافية من العملة الوطنية إلا إذا دخلت إلى الاحتياط كمية مماثلة من العملات الأجنبية، مما يمنع الحكومات من تمويل عجزها عبر طباعة النقود ويضع حداً للضغوط السياسية على السلطة النقدية. وتفرض هذه الآلية انضباطاً نقدياً كاملاً وتعزز الشفافية، حيث يعلم كل حامل للعملة الوطنية أنه يمكنه استبدالها في أي وقت بالعملة الأجنبية التي تغطيها.

يؤكد مارديني أن مجلس النقد يكتسب أهمية مضاعفة في بلد مثل لبنان يتعرض باستمرار لصدمات أمنية وسياسية. ففي نظام سعر الصرف العائم، تؤدي أي حرب أو أزمة سياسية إلى انهيار سريع في قيمة العملة، بينما يؤدي أي تطور إيجابي إلى ارتفاعها، مما يفضي إلى تقلبات حادة تبعد المستثمرين. أما في نظام مجلس النقد، فإن تغطية العملة بالكامل بالدولار تمنح الأسواق ثقة أكبر وتحد من الضغوط على الاحتياطات حتى في أوقات الأزمات، لأن الليرة تصبح معادلة للدولار من حيث الضمان. ويستشهد بتجارب دول مثل هونغ كونغ، والبوسنة، وإستونيا، وليتوانيا، وعدد من دول أوروبا الشرقية التي اعتمدت هذا النظام بعد أزمات مالية ومصرفية، ونجحت في استقطاب رساميل جديدة وإعادة تنشيط قطاعاتها المصرفية.

ومع ذلك، يشدد مارديني على أن مجلس النقد لا يشكل علاجاً لخسائر المودعين، لأنه لا يعيد الأموال التي أنفقتها الدولة أو فقدت خلال الأزمة. وتظل معالجة هذه القضية مرتبطة بإقرار قانون الفجوة المالية، وقانون الانتظام المالي، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، فيما تقتصر وظيفة مجلس النقد على منع تكرار الأزمة نفسها مستقبلاً من خلال منع تمويل الإنفاق العام بطباعة العملة وفرض انضباط نقدي دائم.

شارك الخبر: