لبنان
اقتصاد

مازن السديري: من ناقدٍ للسوق المالية السعودية إلى مسؤول عن تطويرها وقيادتها نحو العالمية

النهار٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٣٢ م0 مشاهدة
مازن السديري: من ناقدٍ للسوق المالية السعودية إلى مسؤول عن تطويرها وقيادتها نحو العالمية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "رئيساً لسوق المال السعودية... مازن السديري من ناقدٍ للسوق إلى مسؤول عنها" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تحدي مازن السديري الجديد كرئيس لهيئة السوق المالية السعودية لا يقتصر على ضبط البورصة، بل يتجاوزه إلى توسيعها وتعميقها عبر إدراجات كبرى، وتطوير التشريعات، وتعزيز البنية الرقمية، وجذب قطاعات جديدة، وتحقيق تكامل مع الاقتصاد الوطني. الهدف هو الارتقاء بالسوق من ضمن "أفضل عشرة" عالمياً إلى مصاف "أكبر ثلاثة".

عندما صدر الأمر الملكي في 13 آب/أغسطس 2026 بتعيين مازن بن تركي السديري رئيساً لهيئة السوق المالية، لم يكن الرجل بحاجة لتعريف في الأوساط المالية السعودية. لكن من يعرفه عن قرب يدرك أن ما يحرك تحليلاته ليس الأرقام بحد ذاتها، بل السؤال الأعمق عن الفكرة التي تقف خلف كل نظام اقتصادي وقرار استثماري. السديري، قبل أن يكون محللاً مالياً أو مسؤولاً تنظيمياً، هو عقل شغوف بالفلسفة، ينظر إلى السوق والدولة والمال كتجليات لمبادئ فكرية أوسع.

المفارقة تكمن في أن العديد من الانتقادات التي وجهها السديري سابقاً كمحلل – مثل ضعف الرقابة على التدقيق، وتسرّب المعلومات، وهيمنة تداول الأفراد، وغياب قطاعات كاملة عن الإدراج – هي نفسها الملفات التي سيُقاس عليها أداؤه كرئيس للهيئة. ومع ذلك، فإن مهمته الفعلية تتجاوز مجرد إدارة هذه الملفات. ففي حين أن الرقابة اليومية على السوق وتطوير أدواتها التنظيمية قد تم إنجازها إلى حد كبير من قبل سلفه محمد القويز، فإن ما يُنتظر من السديري هو مضاعفة حجم السوق والارتقاء بها إلى مصاف أكبر ثلاث بورصات عالمية، وهو ما يتطلب أدوات تتجاوز الرقابة وحدها.

سبعة ملفات رئيسية من اليوم الأول:

1. الحجم مقابل الطموح: حدد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في يوليو/تموز 2022 هدفاً بأن تصبح السوق السعودية من بين أكبر ثلاث بورصات في العالم. ورغم تحقيق جزء من هذا الطموح، حيث بلغت القيمة السوقية للسوق الرئيسية في تداول نحو 2.52 تريليون دولار بنهاية يوليو/تموز 2026، إلا أن السوق لا تزال ضمن أكبر عشر بورصات. يتطلب الانتقال إلى "أكبر ثلاثة" منافسة أسواق عالمية كبرى، وهو رهان لا تحسمه قيمة شركة عملاقة واحدة، بل اتساع قاعدة الإدراج.

2. فجوة التنظيم الرقمي: مع ثورة الذكاء الاصطناعي وتطور أساليب التداول الرقمي، تواجه السوق تحديات تقنية كبيرة، خاصة وأنها لا تزال تعتبر تقليدية في التحول الرقمي. يتزايد حجم التداول الآلي مع دخول مؤسسات أجنبية جديدة.

3. قطاعات لا تزال غائبة: يضم السوق الرئيسية حالياً أكثر من 270 شركة مدرجة، يتصدرها قطاع الطاقة والبتروكيماويات، يليه القطاع المصرفي. لكن قطاعات مثل المقاولات الكبرى والصناعات الثقيلة لا تزال ممثلة بشكل محدود، وهي ملاحظة سجلها السديري قبل عقد من الزمان.

4. سيولة تبحث عن الخارج: بلغ إجمالي تداولات السعوديين في الأسهم الأميركية خلال عام 2025 نحو 223.2 مليار دولار، بنمو سنوي كبير. وتشير البيانات إلى تركّز هذه التداولات بشكل كبير في السوق الأميركية.

5. سوق لا يزال بيد الأفراد: بلغ عدد المستثمرين الأفراد 7.28 مليون مستثمر بنهاية الربع الأول من 2026، بقيمة ملكية إجمالية كبيرة. ورغم ذلك، لا يزال نصف التداول تقريباً يمر عبر قرار فردي وليس مؤسسياً.

6. إغراء الشركات العائلية: تعمل الهيئة على إدراج نحو 50 شركة سنوياً، مع التركيز على شركات تقنية ولوجستية. لا تزال كيانات كبرى في قطاعات التجزئة والمقاولات والصناعات الغذائية مملوكة عائلياً وخارج السوق.

7. قرار على الورق يبحث عن ثقة فعلية: ارتفعت ملكية المستثمرين الدوليين في السوق المالية، وواكب ذلك ارتفاع في نسبة ملكيتهم. لكن عند فتح السوق فعلياً، تراجع المؤشر العام، مما يكشف أن الانفتاح التنظيمي لا يُترجم تلقائياً إلى ثقة سوقية.

من ضبط السوق إلى صناعة حجمها:

لقد تركت رئاسة محمد القويز للهيئة إرثاً واضحاً من تشديد الرقابة وتطوير أدوات الإفصاح والحوكمة وفتح تدريجي للسوق أمام الأجانب. أما مهمة السديري، فتختلف في جوهرها. تحويل السوق السعودية إلى "أكبر ثلاث بورصات" يتطلب إدراج مشاريع ضخمة وشركات مملوكة لصندوق الاستثمارات العامة. وهنا تبرز أهمية خلفية السديري في "لجنة الاستثمار" التابعة لمجلس إدارة الصندوق، مما يمنحه معرفة مباشرة بالشركات الجاهزة للطرح العام. هذه المعرفة المزدوجة، بمعايير الهيئة التنظيمية وجاهزية الأصول، قد تكون السبب الحقيقي وراء اختياره.

سنوات بلجيكا وفرنسا:

تكوّن عقل السديري الاقتصادي والفكري خلال سنوات قضاها بين بلجيكا وفرنسا. بعد حصوله على بكالوريوس الهندسة الصناعية، درس الماجستير في العلوم المالية بفرنسا. إتقانه للغة الفرنسية فتح له باباً إلى تراث فكري واسع، مما أثر في قراءته الاقتصادية. مدرسته الفكرية ليبرالية بالمعنى الكلاسيكي، تنطلق من "ثروة الأمم" لآدم سميث، مع إيمانه بأن القطاع الخاص هو المحرك الحقيقي للسوق. لكنها ليبرالية مشروطة، تتطلب حارساً لكفاءة السوق، مما يفسر دعوته لتشديد الرقابة على مكاتب التدقيق ومكافحة تسرّب المعلومات.

الفيلسوف خلف المحلل:

اهتمام السديري بالفلسفة ليس مجرد زخرفة، بل عدسة يقرأ من خلالها كل شيء. يعود في أحاديثه إلى أسماء مثل زكي نجيب محمود وعبدالرحمن بدوي، ويعجب بمواقف فقهية لابن تيمية. في بودكاست "فنجان"، ذكر كتباً أثرت في تكوينه: "ثروة الأمم" لآدم سميث، و"من صفر إلى واحد" لبيتر ثيل، و"روح القوانين" لمونتسكيو. يرى السديري الاقتصاد كتطبيق لمبادئ أكبر عن كيفية بناء الأنظمة التي تسمح للأفراد والشركات بالازدهار دون فوضى أو استبداد.

قراءته لمونتسكيو، تحديداً، تكشف عن اهتمامه بفصل السلطات كأساس للحوكمة داخل السوق المالية، واستقلالية الجهة الرقابية. هذا الهاجس ينسجم مع دعوته لتشديد الرقابة على مكاتب التدقيق الكبرى، ومع الأحكام التي تحد من ممارسة رئيس الهيئة وأعضائها أي عمل خاص.

هذه القراءة الفلسفية العميقة تفسر لماذا لم يكتفِ السديري بعرض الأرقام، بل ربطها دائماً بأسئلة عن طبيعة الدولة والسوق والفرد. نمط تفكيره، الذي يعتمد على المبادئ الفكرية أو الأمثلة الدولية، هو نتيجة لسنوات تكوينه بين بلجيكا وفرنسا والرياض، ويمنحه مناعة ضد الخطاب الترويجي المحلي.

نمط متكرر: التصحيح لا المجاملة:

يُعرف السديري بحرصه على المعلومة الصحيحة، حيث صحح أرقاماً شائعة في مقابلات تلفزيونية ومقالات. ورغم اتخاذه مواقف واضحة، إلا أنه يترك مساحة لمن يخالفه، مما ينسجم مع قراءته لمونتسكيو.

يلخص السديري المشكلة بأنها ليست في السوق أو المنظم، بل في "اقتصادنا الذي لم يحاول المزاوجة بينهم". ضعف انعكاس الاقتصاد الحقيقي على مؤشر الأسهم يعود، في تحليله، إلى بنية اقتصادية لا يزال القطاع العام محركها الأول، رغم ارتفاع مساهمة القطاع الخاص.

مسيرة صنعت شبكة قبل أن تصنع منصباً:

بدأت مسيرة السديري المهنية كمحلل في بلجيكا، ثم محلل لقطاعي الطاقة والبتروكيماويات في سامبا كابيتال. ترأس أبحاث المبيعات في الاستثمار كابيتال، وقاد إدارة الأبحاث في الراجحي المالية، وهي أطول محطاته وأكثرها ظهوراً إعلامياً. قبل تعيينه رئيساً لهيئة السوق المالية، شغل منصب مستشار بالأمانة العامة لمجلس الوزراء.

الاختبار الذي لا تحسمه السيرة ولا الفلسفة:

تمنحه خلفيته التحليلية فهماً دقيقاً لآلية عمل السوق، وشبكة علاقات مع كبرى الشركات المدرجة، ومعرفة مباشرة بطريقة تفكير أكبر مستثمر مؤسسي في السوق. حضوره الإعلامي الطويل يمنحه القدرة على مخاطبة السوق. لكن الفلسفة التي تمنحه عمقاً في التشخيص لا تمنحه بالضرورة أدوات الحل. ميراث القويز في ضبط السوق يمنحه أساساً تنظيمياً، لكن مهمته الأكبر هي تحويل السوق من "أفضل عشرة" إلى "أكبر ثلاثة" عالمياً. يبقى الاختبار الحقيقي هو ما إذا كان قادراً، من داخل الموقع الذي لطالما رآه عاجزاً وحده عن الحل، أن يقنع بقية الاقتصاد السعودي بالمزاوجة التي طالما نادى بها من خارجه.

شارك الخبر: