رحلة الروح عبر بوابات الوجود: من القرية إلى المجهول


هذا الخبر بعنوان "تراتيل عابرٍ إلى المدن السفلى" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عندما هممتُ بالرحيل، تركتُ عند بوابة المدينة الأولى مفتاحاً صدئاً لبابٍ في قريتي البعيدة، لكنّ الحراس حذّروني: "لا تعبرِ المدنَ وفي جيبك بيتٌ كامل، فالبيوتُ أثقلُ من أجساد أصحابها، والمفاتيحُ التي لا تجد أقفالها تتحوّل، مع الوقت، إلى مسامير في القلب". فمضيتُ خفيفاً، تاركاً خلفي صورة جدّتي وهي تكنسُ العتبةَ عند الفجر، والضبابُ يهبطُ عن الجبال، والكرومُ تستيقظُ ببطء. كانت المدينةُ الصغيرة لا تدري أنّ أحد أبنائها سيظلُّ سنواتٍ يبحث عنها في مدنٍ أخرى، وهي تمحو آثار قدميَّ كي لا يعرف الموتُ أيَّ طريقٍ سلكتُ.
وعند البوابة الثانية، انتُزعت منّي لغتي؛ لا الحروف، بل تلك الرجفة الخفيّة التي تجعل كلمةَ "بيت" أدفأ من أربعة جدران. في بيروت، ظلّت اللغةُ لي، لكنّ المدينة علّمتني باكراً أنّ اللغةَ وحدها لا تكفي كي يكون للمرء مكان. من الحمراء إلى مار إلياس، كنتُ أعبرُ الشوارعَ وفي أصابعي حبرُ المطابع، أعرف أسماء الأزقّة وروائح الأفران وصوتَ البحر، لكنّي لم أكن أعرف إن كان العابرُ يصبح ابنَ المدينة بمجرّد حفظه طرق أزقّتها. ثمّ في بلاد الجرمان، صار للخبزِ اسمٌ آخر، وللشارعِ اسمٌ آخر، والخوفُ يحتاج إلى استمارةٍ وتوقيع موظّفٍ لا يعرف لماذا ترتجف اليدُ التي أمامه. كنتُ أعرف كيف أقول لأمّي إنّني خائف، ولا أعرف كيف أشرح للموظّف لماذا لا تصلح خانةٌ واحدة لبلادٍ كثيرة عشتُ فيها. وأنا أعرف عشرات المرادفات للحزن، ولا أعرف الكلمةَ التي تجعل الطبيب يفهم أنّ شيئاً في صدري ينهار من غير أن يكون القلب هو المريض. فتعلّمتُ لغةً أخرى، كلمةً فكلمةً، حتى صار لي فمٌ جديد، لكنّ فمي الأوّل ظلَّ في مكانٍ ما، بين مدينتي البعيدة وبيروت، يناديني بأسماء لا يسمعها أحد.
وعندما ولجتُ البوابة الثالثة، نزعتُ عن كتفي كاهل المدن التي مررتُ بها: بيروت، برائحة الحبر والبحر؛ أربيل، بقلعتها المرتفعة وشوارعها العريضة والبيت الذي جمع غرباء؛ دريسدن، والإلبه يشقُّها بهدوء؛ براغ، التي مررتُ في شوارعها وكأنّني أعرفها من حلمٍ قديم؛ وبرن، حيث يلتفُّ الآر حول المدينة، أخضرَ وبارداً. تدحرجت المدنُ خلفي، الأرصفة، الأبواب الحديديّة، المحطّات التي نام فيها غرباء ورؤوسهم على حقائبهم، والغرف التي لم نعلّق فيها الصور، لأنّنا كنّا نقول دائماً: "سنرحل قريباً".
وعند البوابة الرابعة، قالت امرأةٌ بوجهٍ من حجر: "اتركْ ما أحببتَ خلفك". فأخرجتُ من صدري امرأةً، لم أعرف قطُّ إن كانت تقف في داخله، أم أنّني بنيتُ لها غرفةً هناك، ثمّ نسيتُ أن أسألها إن كانت تريد السكن فيها. مددتُ يدي إليها، فانطفأ بيننا مصباحٌ صغير، وعرفتُ أنّ الظلام لا يعني دائماً أنّ أحداً أطفأ النور.
عند البوابة الخامسة كان النهر يهدر؛ رأيتُه مرّةً عند الآر، يمضي تحت الجسور، ورأيتُه في الإلبه، حين كان البرد يترك على الماء ضوءاً شاحباً. فكّرتُ في دجلة، وفي أنهارٍ كثيرة كانت تمرّ قريباً من حيواتنا من غير أن نستطيع النزول إليها. لكنّ النهرَ الذي وقفتُ أمامه هذه المرّة كان أقدم من الخرائط، أسودَ، ثقيلاً، تسير فوقه أسماءُ الموتى مثل أوراقٍ يابسة. هناك رأيتُ فتاةً لم أرَها في حياتي تجلس على الضفّة الأخرى، وتحمل بين يديها اسماً أثقل من جسدها. قال لي رُبّانُ السفينة: "لا تنادِها؛ الموتى، حين يسمعون أسماءهم، يظنّون للحظة أنّ الطريق إلى الأعلى ما زال مفتوحاً". لكنّ الاسم عبر وحده، دخل في كتاب، ثمّ في صوت امرأة، ثمّ في ليالٍ طويلة كنّا نكتب فيها كي لا يموت ما لا نملك القدرة على إحيائه. وفوق الماء، كانت إريشكيغال تعدُّ موتاها بهدوء، واحداً فواحداً.
عند البوابة السادسة طلبوا منّي المستقبل. أخرجتُه من جيبي؛ بيتاً بنوافذ كبيرة وطاولةً لشخصين، في مدينةٍ لا أعرف شوارعها بعد، ووظيفةً لم أحصل عليها، وسريراً لم أنم فيه، وامرأةً كانت تضحك في الصورة. كانت الخرائطُ مبسوطةً أمامي: خطٌّ يعود إلى بلادي القصيّة، خطٌّ يهبط إلى هجرتي الأولى نحو البحر، وآخرُ يتّجه شرقاً نحو الصحراء، وخطوطٌ رفيعةٌ تتفرّع بين مدن القارة العجوز. ضحك الحارس، وقال: "كلُّ هذه الأشياء لم تحدث". قلتُ: "لكنّني عشتُها". قال: "لهذا تحديداً، ينبغي أن تتركها هنا".
عند البوابة السابعة لم يكن هناك حارس، بل كانت إنانا قد مرّت قبلي، عاريةً من تاجها وحُليّها وسلطانها، وتركت على العتبة أثر قدمٍ صغيرة لا يزال دافئاً. نزعتُ اسمي، ووضعته قرب آثارها، وفجأةً، لم أعد ابنَ تلك القرية البعيدة، ولا غريبَ بيروت، ولا عابرَ أربيل، ولا مهاجراً في ألمانيا، ولا ذلك الرجلَ الذي مشى في براغ وبرن. لم أعد كاتباً، ولا مهاجراً، ولا عاشقاً، ولا ناجياً. بل مجرّدَ جسدٍ عبر مسافاتٍ كثيرة، حتى نسيَ ما الذي كان يهرب منه، وما الذي كان يركض إليه. في العالم السفلي لا توجد جوازات سفر، ولا يسأل أحدٌ أين وُلدتَ، ولا كم عاماً عشتَ في هذا البلد أو ذاك. هناك، يصبح البشرُ متشابهين على نحوٍ مرعب؛ حفنةً من خوف، وقليلاً من الطين، وذكرياتٍ لا تعرف إلى أيّ جسدٍ ينبغي أن تعود. جلستُ بين الموتى طويلاً، وكانوا يتحدّثون عن المدن كما يتحدّث الأحياء عن الجنّة. واحدٌ يريد شجرةَ تين، آخرُ يريد شرفةً في بيروت تطلُّ على شارعٍ لا ينام، ورجلٌ يريد مقهىً في أربيل جلس فيه آخرَ مرّةٍ قبل أن يتفرّق أصدقاؤه. عندها أدركتُ أنّنا لا نشتاق إلى البلاد، بل نشتاق إلى الأشياء الصغيرة التي ماتت فيها قبلنا.
وحين عدتُ، لم يعيدوا إليّ شيئاً؛ لا المفتاح، لا اللغة، لا المدن، لا المرأة، لا المستقبل. وحتى اسمي بقي عند البوابة السابعة، تأكله الريح إلى جوار تاج إنانا. خرجتُ خفيفاً، كما يخرج الميت من حلمٍ طويل. في ظهري حقيبةٌ فارغة، وفي يدي قلم. سألني رجلٌ عند مفترق الطريق: "من أنت؟" نظرتُ خلفي، فرأيتُ قريتي بعيدةً بين الجبال، وبيروت عند البحر، وأربيل تحت سمائها المغبرّة، وبراغ خلف جسورها، والآر يطوّق برن، والإلبه يواصل طريقه. كانت البوّابات السبع مغلقة، ونظرتُ أمامي، لم يكن هناك أحد، فقلتُ: "لا أعرف"؛ ثمّ مضيتُ. وكان ذلك، للمرّة الأولى، اسماً يكفيني.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة