لبنان في سبع سنوات من الانهيار: من حلم الثورة إلى شبح التفكك والخطر الداهم


هذا الخبر بعنوان "7 سنوات من الانهيار: كيف انتقل لبنان من احتمال الثورة إلى خطر التفكك؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
سبع سنوات من الوقائع الاقتصادية والاجتماعية القاسية في لبنان قادت إلى استنتاج مفاده أن الانهيار أغلق أبواب الثورة وفتح مسارات نحو التفكك، بينما يبقى خطر التفتيت معلقاً بشروط محددة يمكن رصدها. يتتبع هذا المقال هذه المسارات بالترتيب الذي جرت فيه.
منذ خريف عام 2019، يواجه لبنان سؤالاً مصيرياً حول وجهته في ظل انهيار اقتصادي بهذا الحجم: هل سيقود إلى ثورة تغير بنية السلطة، أم إلى تفكك الدولة مع بقاء هيكلها، أم إلى تفتيت الكيان نفسه؟ تختلف هذه المسارات جوهرياً؛ فالثورة تستبدل سلطة بأخرى، والتفكك يعني انتقال الوظائف والموارد والولاءات من المركز إلى وحدات أصغر دون إعلان رسمي، أما التفتيت فيرسم حدوداً متداخلة داخل الحدود القائمة.
بدأت القصة بمشهد الثورة في تشرين الأول 2019، حيث نزل اللبنانيون إلى الساحات بمطلب موحد للدولة. لكن الخسارة بدأت تتوزع مع انهيار الليرة، فانقسم الناس بين من يتقاضى دخله بالدولار ومن بقي أسيراً للعملة الوطنية. أظهر موجز البنك الدولي الصادر في نيسان 2025 أن الخُمس الأعلى دخلاً يتقاضى أكثر من نصف دخله بالدولار، بينما تقل حصة الدولار عند الخُمس الأدنى عن 6 في المئة. هذا الانقسام شطر الطبقة الوسطى التي كانت في طليعة ثورة 2019، حيث نجا قسمٌ بالدولار، بينما هبط قسمٌ آخر إلى الفقر، مما أفقد الأول سبب النزول إلى الشارع والثاني القدرة عليه.
توازى الانقسام الاقتصادي مع انقسام جغرافي. في أيار 2024، قدّر البنك الدولي الفقر النقدي بثلث اللبنانيين، ووصل في عكار إلى 62 في المئة خلال عقد، بينما هبط في بيروت إلى 2 في المئة. وعند احتساب الحرمان من الخدمات الأساسية، يبلغ الفقر متعدد الأبعاد 73 في المئة من اللبنانيين، ونصف الأطفال دون الخامسة عشرة فقراء. هذا الحرمان الواسع والمتفاوت يمنع تحوله إلى قضية واحدة، حتى الخوف لم يعد مشتركاً؛ ففي استطلاع للمركز اللبناني للدراسات مطلع 2026، يخشى أهل بعلبك-الهرمل الاعتداء الخارجي بنسبة 82.7 في المئة، بينما تبلغ نسبة الخوف من النزاع الداخلي في كسروان-جبيل 54.4 في المئة.
تتطلب الثورة خسارة مشتركة وعنواناً واحداً، لكن الانهيار اللبناني أنتج خسائر متفاوتة ومخاوف متباعدة، مما جرد الساحة من مادتها الأولى. تفاقم الوضع مع مغادرة أعداد كبيرة من اللبنانيين؛ بلغ صافي مغادرة اللبنانيين 729,062 شخصاً بين كانون الثاني 2020 ونيسان 2026، مقابل 185,581 في السنوات الست التي سبقت الانهيار. وبلغ معدل البطالة 29.6 في المئة في كانون الثاني 2022، و47.8 في المئة بين الشباب.
شهدت السنوات التالية تحولاً عميقاً؛ فبعد أن افترضت ثورة 2019 مجتمعاً يطالب الدولة بما عليها، علّمت السنوات التالية كل أسرة أن تحل مشكلتها بنفسها. كل حل خاص ناجح يسحب مطلباً من المجال العام، مما أدى إلى عدم مشاركة 65.1 في المئة من الشباب بين 18 و24 عاماً في أي نشاط سياسي أو مدني. بهذا أُغلق طريق الثورة، ليس فقط بسبب تبدل قاعدتها الاجتماعية، بل لأن الناس بدّلوا طريقة تدبير حياتهم.
في المقابل، ظهرت معالم التفكك في حال الدولة نفسها. فالدولة، رغم بقاء هيكلها، باتت موازنتها لعام 2026 تبلغ نحو 6 مليارات دولار، أكثر من نصفها رواتب وتعويضات، في اقتصاد يُقدّر ناتجه بـ33.5 مليار دولار. المركز يدير أقل من خُمس اقتصادٍ نصفه نقدي وجزء وازن منه آتٍ من تحويلات الخارج. الدولة بهذا الحجم تدفع الرواتب وتعجز عن تقديم الخدمات الأساسية؛ بلغ الرضا عن الخدمات العامة 10 في المئة عن الرعاية الصحية، و12 عن الكهرباء، و15 عن المياه، و26 عن التعليم في استطلاع «الباروميتر العربي» في تشرين الثاني 2025. تولت جهات أخرى تأمين هذه الحاجات، مثل البلديات والأحزاب والجمعيات الدينية والأقارب المهاجرين وأصحاب المولدات. هذا هو التفكك بمعناه الدقيق: انتقال التنظيم من المركز إلى وحدات أصغر، مع بقاء العلم والحدود والمقعد في الأمم المتحدة في أماكنها.
تستفيد القوى السياسية القائمة من عجز الدولة، حيث تكشف أرقام المساعدات أن 51.7 في المئة من الأسر حصلت على دعم من أحزاب، مقابل 13.9 في المئة من مؤسسات الدولة. القوة التي توزع ما لا توزعه الدولة تستمد وظيفتها من عجزها، والناخب يكافئ هذه الوظيفة، حيث اختار 68.8 في المئة ممن اقترعوا في 2022 الأحزاب التقليدية. اللبناني ساخط على النظام ولكنه راضٍ عن ممثله فيه، الذي يُقاس بما ينتزعه لجماعته من نظام عاجز.
يبقى السؤال حول ما إذا كان هذا التفكك سينقلب إلى تفتيت. هناك ثلاثة حواجز رئيسية أمام هذا الاحتمال: أولاً، شرعية الحماية؛ حيث يثق 76.7 في المئة بالجيش كجهة أوثق لحماية مناطقهم. ثانياً، تشابك قنوات التفكك؛ فالطائفة والمنطقة والعائلة وشبكة الاغتراب والسوق كلها قنوات تتقاطع ولا تتطابق، مما يمنع تشكيل كيانات متجانسة. ثالثاً، غياب الطلب؛ فـ17 في المئة فقط يؤيدون الفيدرالية، بينما يفضل 64.7 في المئة مسؤولية الدولة في إعادة الإعمار والتعويض، رغم انعدام الثقة بقدرتها.
ومع ذلك، فإن تجدد الحرب أعاد إحياء شروط تدفع التفكك نحو التفتيت. يتوقع البنك الدولي انكماش الناتج 6.4 في المئة هذا العام، مع وجود أكثر من مليون نازح وحرب طويلة تثبت جغرافية متفاوتة في الأمن والدمار. كما أن إعماراً ممولاً منطقة بمنطقة عبر قنوات حزبية أو خارجية، وبقاء الخسائر المصرفية بلا حل، واستمرار الهجرة مع تعليق الانتخابات، كلها عوامل تدفع نحو التفتيت.
في المقابل، هناك طريقان يمكن أن يردا المسار: الأول هو تقديم خدمة واحدة تصل من المركز إلى الجميع، كالكهرباء. الثاني هو تفعيل اللامركزية الإدارية الموسعة المنصوص عليها في اتفاق الطائف. الفارق بين اللامركزية والتفكك يكمن في طريقة الانتقال؛ فالأولى تنقل الوظيفة بقرار، والثانية تنقلها بالفراغ. هذا الفراغ يترك كل منطقة لمواردها، مما يفتح الباب أمام التفتيت.
الوقت عامل حاسم؛ فالجيل الذي بلغ سن الرشد في ظل الانهيار اعتاد دولة لا تقدم سوى جواز سفر ومعاملات. هذا الاعتياد له كلفة مالية مباشرة، حيث يمنح الاقتصاد النقدي الوسيلة للامتثال الضريبي الضعيف. الحلقة المفرغة من ضعف الخدمة إلى ضعف الإيرادات تغذي نفسها، وتنشئ أصحاب مصلحة في استمرارها.
لم يؤد الانهيار إلى الثورة لأنه فرّق الخاسرين وفتح لهم باب الخروج، بل قاد إلى التفكك لأن دولة تنكمش تركت وظائفها لمن هو أقرب إلى الناس، ولأن القوى التي ورثت هذه الوظائف تعيش من انكماشها. لم يقع التفتيت بعد، بفضل جيش جامع، وخطوط انقسام متشابكة، ومجتمع لا يزال ينسب المسؤولية إلى دولته. لكن حرباً طويلة، وإعماراً مجزأ، ومالاً خارج النظام، وصناديق اقتراع مقفلة، تدفع نحوه. المستقبل رهن بترتيبات محلية تتصل بالمركز لإعادة التوزيع، أو بترتيبات تنغلق على مواردها، مما يعني أن ابن بيروت لن يعود معنياً بكهرباء عكار.
أزمة الدولة تُعالج بإصلاح مؤسساتها، لكن أزمة فكرة الدولة تتطلب مجتمعاً أعاد ترتيب حياته من دونها وانقطع عن طلبها. لبنان اليوم يقف بين الأزمتين، والنافذة تضيق مع كل سنة يكبر فيها جيل لم يختبر مرفقاً عاماً يعمل.
سياسة
سياسة
سياسة
اقتصاد