معرض بيروت للكتاب: مرآة لبنان الثقافية والسياسية في ظل التحديات


هذا الخبر بعنوان "الكتاب الذي يجمع مدينة" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
على الرغم من أن معرض الكتاب في بيروت يكاد يقتصر على المشاركة المحلية، مع غياب شبه تام لدور النشر العربية، وهيمنة الجنسية اللبنانية على المشاركة الفرنكوفونية، إلا أنه يظل معرضاً كبيراً يعج بدور النشر والكتب الجديدة. هذا الحضور اللافت يوحي بأن صناعة الكتب لا تزال حرفة لبنانية وامتيازاً بيروتياً صامداً رغم ما أصاب المدينة وهذه الصناعة. وكعادته، يعكس المعرض هذا العام المزاج العام السائد في الساحة السياسية والثقافية، وخاصة في علاقات اللبنانيين ببعضهم البعض. يتلون المعرض ويتأثر بـ"موازين القوى" وتيارات معينة، سواء في عناوين الكتب البارزة والأكثر مبيعاً، أو في بروز دور نشر محددة، أو في توجهات القراء، أو حتى في نوعية الجمهور وحضوره.
لقد أدت التطورات السياسية الأخيرة، مثل انكسار حزب الله وسقوط نظام الأسد، إلى تحرير المعرض من مظاهر النفوذ الإيراني التي كانت تظهر بوضوح في السابق، كاحتلال صورة قاسم سليماني لصدارة المعرض، واستيلاء مؤسسات الدعاية والنشر والإعلام التابعة للحزب على عدد كبير من الأجنحة، وهيمنة جمهوره على قاعاته. وقد فاقم هذا الوضع الانقسام السياسي والثقافي، وأدى إلى انقسام المعرض نفسه إلى كيانين منفصلين، أحدهما يوالي "الممانعة" والآخر يعارضها.
لم يكن المعرض قد تعافى بعد من صدمات جائحة كورونا، وهزيمة انتفاضة 17 تشرين، وانفجار مرفأ بيروت، والانهيار المالي، وتهالك مؤسسات الدولة، حتى وجد البلد نفسه متورطاً في حربين متتاليتين لا نهاية لهما. ورغم فداحة هذه المصائب وعمومية الخراب، يبدو أن هذا "الهجوم" على الثقافة والإقبال المتزايد على الكتب والمناسبات الثقافية والفنية (مثل مهرجانات السينما، الحفلات الموسيقية، معارض الرسم) هو بمثابة "مانيفستو" اعتراضي يسعى لإحياء إرث لبناني أصيل يسبق عهد الخراب وحروب الممانعة وتأثيراتها السياسية والمجتمعية والثقافية.
ربما كان هذا الدافع وراء الظهور الكثيف واليومي للسياسيين اللبنانيين وحرصهم على التواجد في المعرض. فقد بدا المعرض وكأنه "منصة" للظهور، تماماً كالتلفزيون. حيث شوهد رئيس الحكومة والرؤساء السابقون والوزراء والنواب الحاليون والسابقون يختلطون بالجمهور، ويقضون أوقاتاً في صالونات دور النشر (خاصة صالون دار رياض الريس)، ويلتقطون الصور مع الزوار، ويعبرون عن آرائهم في بعض الكتب لوسائل الإعلام، ويتصرفون بارتياح مستمتعين بالهروب من ثقل يومياتهم، بل ويتسابقون على اقتناء الكتب، خاصة وأن بعض دور النشر "تهديهم" نسخاً مجانية.
بالإضافة إلى تحول المعرض إلى ما يشبه النادي السياسي، يطغى على جوه الاحتفاء بتوسعته ونظافته وترتيبه، مما أكسبه "جمالاً" وأناقة مستجدين. ويبدو أن هذا الاهتمام بالترتيب وإضفاء بعض الألق هو جزء من الرغبة في معاكسة الكآبة الوطنية الطاغية. وقد أضفت تخصيص مساحات وجدران لعرض أعمال تشكيلية وديكورات فنية وصور أرشيفية منسقة، وابتداع حديقة واسعة في منتصفه، مناخاً من الاسترخاء واللطافة.
بهذا المعنى، لم يعد المعرض مجرد معرض للكتب، بل أصبح طقساً رمزياً وسياسياً يعلن بصخب عن هذا النزوع العام (المستجد نسبياً) في تقديم الوجه الثقافي على الوجوه اللبنانية الأخرى الكالحة. ويدل اندفاع السياسيين إليه على رغبتهم في المشاركة في هذا الطقس العمومي. إن عودة معرض الكتاب موحداً بعد سنوات من الانقسام، واختفاء مظاهر التسلط الحزبي، واحتفاء أهل المدينة به حضوراً وشراء، وانتعاش دور النشر اللبنانية مجدداً بعد الكارثة الاقتصادية، يأتي في لحظة حرجة يستأنف فيها الاحتلال الإسرائيلي أعمال الإبادة العمرانية في الجنوب، ويستأنف فيها حزب السلاح والحروب تهريب المتفجرات والأسلحة والأموال المشبوهة، وتمردّه على الدولة، واستعدادّه وإسرائيل معاً لجولة جديدة من الموت والدمار. هذا هو حال لبنان العالق بين خيارين ومصيرين وصورتين، دون حسم أو خاتمة.
اقتصاد
ثقافة
ثقافة
رياضة