لبنان
ثقافة

نساء حكمن المغرب وأثرن في تاريخه قبل قرون من المنصوري: استعادة أدوار نسائية بارزة

النهار١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٤:٤٠ ص0 مشاهدة
نساء حكمن المغرب وأثرن في تاريخه قبل قرون من المنصوري: استعادة أدوار نسائية بارزة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "قبل المنصوري بقرون.. نساء حكمن وأسهمن في صنع تاريخ المغرب" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تبدأ الحكاية مع كنزة الأوروبية، التي لعبت دورًا سياسيًا هامًا في أواخر القرن الثامن وبداية القرن التاسع. كانت كنزة، ابنة قبيلة أوربة الأمازيغية وزوجة إدريس الأول وأم إدريس الثاني، قد تركت بصمتها في الحكم قبل أن تتولى فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة المغربية. فقد سبقتها نساء أخريات تركن بصماتهن على الحكم من وليلي وأغمات إلى تطوان ومكناس، حيث حمين ورثة العرش، وأسهمن في تأسيس دول، وأدرن مدنًا، وتفاوضن مع قوى أجنبية. لذلك، فإن تعيين المنصوري في سبتمبر/أيلول 2026، كأول امرأة تتولى هذا المنصب، يفتح الباب لاستعادة تاريخ نسائي تتجاوز جذوره حدود الدولة الحديثة.

تنوعت مواقع هؤلاء النساء ووسائل تأثيرهن؛ فالسيدة الحرة حكمت تطوان مباشرة، بينما مارست أخريات نفوذًا من داخل القصر أو عبر المكانة الدينية والتحالفات القبلية. وتكشف سيرهن أن الألقاب الرسمية لا تروي وحدها حكاية السلطة، وأن وصف المرأة بأنها زوجة سلطان أو أمه قد يحجب دورًا سياسيًا أوسع.

من وليلي إلى فاس: دور كنزة في تأسيس الدولة الإدريسية

بعد استقرار إدريس الأول في وليلي، عزز زواجه من كنزة الأوربية صلته بقبيلة أوربة الأمازيغية التي ساندت مشروعه. لكن اغتياله وضع الدولة الناشئة أمام امتحان البقاء، بينما كانت كنزة تحمل ابنه. أسهمت في حماية الطفل وتأمين استمرار الأسرة الإدريسية، إلى جانب راشد، مولى إدريس الأول، الذي تولى رعايته. وتشير دراسة أكاديمية إلى دورها في تعزيز الدولة واستقدام جماعات من القيروان والأندلس، وتربطها بمشروع بناء فاس. تكمن أهميتها في حماية انتقال الحكم وإبقاء الصلة بين الأسرة ومحيطها القبلي، وإن كانت الشهادات المتاحة لا تكفي لوصفها حاكمة منفردة للبلاد.

زينب النفزاوية: شريكة بناء الدولة المرابطية

بعد قرون، برزت زينب النفزاوية في أغمات، المدينة التجارية والثقافية القريبة من مراكش. تزوجت أبا بكر بن عمر، ثم يوسف بن تاشفين، وأدت دورًا مؤثرًا في بناء الدولة المرابطية خلال القرن الحادي عشر. تقدمها موسوعة أكسفورد للتاريخ الأفريقي كشريكة في بناء السلطة، فقد امتلكت معرفة بالمجتمع الحضري وعلاقاته، مما أكمل خبرة القادة العسكريين. وتروي المصادر أنها نصحت يوسف بن تاشفين بكيفية التعامل مع عودة أبي بكر، بما ساعده على تثبيت قيادته. ورغم امتزاج بعض أخبارها بالأسطورة، يظل دورها في المشورة السياسية واضحًا في الدراسات المتخصصة.

لالة عزيزة السكسيوية: التأثير من خارج البلاط

في القرن الرابع عشر، اكتسبت لالة عزيزة السكسيوية نفوذها من مكانتها الدينية والاجتماعية في سكسـاوة بالأطلس الكبير. توسطت بين الجماعات المحلية، وعملت على تهدئة علاقاتها بالسلطة المركزية، لتقدم نموذجًا لامرأة أثرت في الشأن العام خارج البلاط.

السيدة الحرة: حاكمة تطوان وحليفة بربروس

في شمال المغرب، اتخذت السلطة النسائية شكلاً أكثر مباشرة مع السيدة الحرة، عائشة بنت علي بن راشد. ارتبطت أسرتها بتأسيس شفشاون وبالتراث الأندلسي، وتشكلت تجربتها في زمن هجرة الأندلسيين واشتداد الضغط الإسباني والبرتغالي على السواحل. تعلمت شؤون الحكم خلال زواجها من المنظري، ثم تولت قيادة تطوان بعد وفاته. وتختلف المصادر في تحديد بداية حكمها، لكنها تتفق على انتهاء سلطتها سنة 1542. ولتدعيم موقعها، استعانت بتحالفات محلية وصلات أسرية، وأقامت تحالفًا بحريًا مع خير الدين بربروس. ارتبط اسمها بحملات ضد السفن الإيبيرية وبالتفاوض على الأسرى، واشتهرت في روايات أوروبية بلقب ملكة القراصنة. لكن اختزالها في هذا الوصف يغفل مسؤولياتها في إدارة المدينة والدفاع عن مصالحها. وعندما تزوجت السلطان أحمد الوطاسي سنة 1541، أقيم الزواج في تطوان، مما حمل دلالة على وزنها السياسي وحاجة السلطان إلى دعم الشمال أمام صعود السعديين. غير أن التحالف لم يحمها من صراعات السلطة التي أنهت حكمها في العام التالي.

نساء القصر في العصر السعدي: الدبلوماسية والعمران

في العصر السعدي، برزت سحابة الرحمانية، زوجة السلطان محمد الشيخ وأم عبد الملك. استخدمت اتصالاتها لدى العثمانيين للحصول على دعم ساعد ابنها على الوصول إلى الحكم سنة 1576. تكشف تجربتها دور الدبلوماسية النسائية في نزاع على العرش امتدت أطرافه إلى خارج المغرب. أما مسعودة الوزكيتية، المعروفة بـ "لالة عودة"، أم السلطان أحمد المنصور الذهبي، فجمعت المشورة داخل البلاط برعاية العمران. ارتبط اسمها بتمويل منشآت دينية ومرافق عامة، أبرزها جامع باب دكالة بمراكش. وهكذا امتد أثرها من محيط السلطان إلى حياة المدينة، دون أن تتولى الحكم المباشر.

خناثة بنت بكار: مستشارة مؤثرة في العصر العلوي

مع الدولة العلوية، تظهر خناثة بنت بكار، زوجة مولاي إسماعيل وأم مولاي عبد الله. أسهم تكوينها العلمي وقدرتها على التدبير في جعلها مستشارة مؤثرة لزوجها. وبعد وفاته سنة 1727، دعمت ابنها بتحالفات قبلية وتدخلت في المصالحات، كما راسلت جهات أوروبية بشأن الأسرى. وتعرضت للسجن ومصادرة ممتلكاتها خلال صراعات العرش، فدفعت ثمن مشاركتها في السياسة.

من حماية وريث إدريسي إلى قيادة تطوان ومخاطبة القوى الأجنبية، تكشف هذه السير حضور النساء في لحظات حاسمة من تاريخ المغرب. ويمنح تعيين المنصوري هذا التاريخ فصلاً مؤسسيًا جديدًا، تستعاد معه أدوار نساء تجاوز تأثيرهن الأوصاف العائلية التي حفظتها لهن كتب التاريخ.

شارك الخبر: