لبنان
اقتصاد

ديوان المحاسبة يفضح تقاعس الدولة اللبنانية: الإنترنت غير الشرعي يكلف 128 مليون دولار سنوياً

النهار١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٤٢ ص0 مشاهدة
ديوان المحاسبة يفضح تقاعس الدولة اللبنانية: الإنترنت غير الشرعي يكلف 128 مليون دولار سنوياً

تنويه

هذا الخبر بعنوان "تقرير ديوان المحاسبة يدين تقاعس الدولة اللبنانية: الإنترنت غير الشرعي يستنزف 128 مليون دولار سنويّاً" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

كشف تقرير صادر عن ديوان المحاسبة اللبناني عن تقاعس أجهزة الدولة عن تطبيق القوانين المتعلقة بالإنترنت، مما أدى إلى خسارة إيرادات تقدر بـ 128 مليون دولار سنوياً وإضعاف موقع الدولة في قطاع الاتصالات. ويشير التقرير إلى أن الدولة تخسر إيراداتها وتضعف موقعها في قطاع الاتصالات بسبب عدم تطبيق أجهزتها للقوانين. كما يوثق التقرير نموذجاً خطيراً لسوء الإدارة في قطاع الاتصالات، حيث تقوم الدولة بتفريغ مرفقها العام من مقوماته وأصوله وشبكته وقاعدة مشتركيه لصالح شركات خاصة. هذا المسار لا يقتصر على الخسائر المالية، بل يمتد إلى إضعاف المرفق العام وتجريده من مقوماته التنافسية، في وقت تتوسع فيه الشبكات غير الشرعية على حساب الدولة وحقوقها.

وتبيع وزارة الاتصالات خدمات الجملة والسعات الدولية عبر خطوط تأجيرية محلية لشركات تزويد محددة، بدلاً من تقديم خدمات التجزئة مباشرة للمواطنين. هذا يسمح لهذه الشركات بالاستفادة من البنية التحتية الرسمية لتوسيع أعمالها وتعزيز قدرتها التنافسية على حساب الدولة. ولا تقتصر خطورة هذا النموذج على خسارة الإيرادات العامة، بل تمتد إلى إضعاف حصة القطاع الشرعي وتوفير غطاء تقني لشبكات غير مرخصة، مما يثير تساؤلات حول سياسات إدارة القطاع ومدى مساهمتها في نقل السوق من كنف الدولة إلى مصالح خاصة.

وفقاً لتقرير ديوان المحاسبة الخاص رقم 2026/5، تخسر الدولة إيراداتها وتضعف موقعها في قطاع الاتصالات بسبب تقاعس أجهزتها عن تطبيق القوانين، بينما تستخدم بنيتها التحتية الرسمية لتعزيز شبكات تنافسها خارج الأطر القانونية. ويقدر الهدر بنحو 128 مليون دولار سنوياً، ويتجاوز عدد المشتركين خارج المنظومة الشرعية مليون مشترك، بينما تتراجع الحصة السوقية للدولة من نحو 50% إلى أقل من 25%. وتطرح هذه الأرقام أسئلة مباشرة حول مسؤولية الإدارات والوزراء المتعاقبين منذ عام 2018، ودور الجهات التنظيمية والتنفيذية في السماح باستمرار هذا الواقع.

مسؤوليات إدارية وتقاعس عن تطبيق القانون:

يتجاوز التقرير التوصيف العام للمخالفات إلى تحديد المسؤوليات، مسجلاً تقاعساً إدارياً ممتداً منذ عام 2018، أسهم في إضعاف موقع الدولة لصالح شبكات الإنترنت غير الشرعية، التي استقطبت 90% من السوق الثابت. ويحدد التقرير مسؤولية وزراء الاتصالات المتعاقبين منذ صدور المرسوم رقم 3260 المنظم لحق المرور والربط، إلى جانب الهياكل التشغيلية الأساسية ممثلة بالمديرية العامة للإنشاء والتجهيز، والمديرية العامة للاستثمار والصيانة، والمديريات الفنية والعملياتية في هيئة "أوجيرو"، وصولاً إلى الهيئة المنظمة للاتصالات.

يخلص التقرير إلى أن تفاقم ظاهرة الإنترنت غير الشرعي لم ينتج من نقص في القوانين، بل من "التقاعس والتقصير المتعمد" في تطبيق الأحكام النافذة، ولا سيما المادة 16 من المرسوم رقم 9458/2022، التي توجب ضبط الشبكات المخالفة فوراً ووضعها في تصرف الوزارة. وقد سمح هذا التراخي التنفيذي بإنشاء كتلة سوقية تضم 1,073,324 مشتركاً غير شرعي، يتحكم بها مشغلو السوق السوداء مالياً وفنياً، بعيداً عن رقابة الدولة.

انحرافات القرار الصادر عن الهيئة المنظمة للاتصالات:

يفكك التقرير التداخل التنظيمي بين أجهزة الدولة، محدداً صلاحيات الهيئة المنظمة للاتصالات في إدارة تراخيص القطاع الخاص النظامي، ومؤكداً انتفاء أي صلاحية قانونية لها لمعالجة الشبكات المنشأة خلافاً للقانون أو تنظيم المشتركين المرتبطين بها، إذ تقع هذه المسؤولية حصراً ضمن النطاق التنفيذي لوزارة الاتصالات وهيئة "أوجيرو". وتخضع الهيئة المنظمة للاتصالات قانوناً لرقابة ديوان المحاسبة المؤخرة، بموجب المادة الرابعة من قانون الاتصالات رقم 431/2002. وانطلاقاً من ذلك، وجه الديوان انتقاداً حاداً إلى القرار رقم 4/2026 الصادر عن الهيئة المنظمة، ورصد فيه مخالفات قانونية جوهرية، تمثلت في تجاوز الصلاحيات عبر تكليف شركات توزيع الإنترنت (ISP) بنقل مشتركين لا يتبعون لها نظامياً، وفرض رسوم مالية مبهمة من دون تحديد الخدمات المقابلة لها، بما قد يشكل ضرائب مقنعة ويكرس واقع الشبكات غير الشرعية، فضلاً عن تحميل المواطن أعباء مالية إضافية. كما سجل تغييباً للأطر المرجعية، من خلال استبعاد المرسوم التنظيمي الأساسي رقم 3260/2018 وتعديلاته من الآلية المعتمدة. وبناءً على هذه الملاحظات، تبرز ضرورة وقف تنفيذ القرار لتجنب المساءلة القضائية.

استنزاف إيرادات الدولة لمصلحة الشركات المتنفذة:

يشرح التقرير كيف أتاح هذا النموذج لشركات متنفذة استخدام البنية التحتية الرسمية كغطاء لربط شبكات التوزيع الفرعية (Resellers) وشبكات الربط (Collectors) غير المرخصة. وقد أسهم ذلك تقنياً في تحسين أداء الشبكات المخالفة وتعزيز قدرتها التنافسية، ما سرّع إزاحة ما تبقى من السوق الشرعي، ودفع الحصة السوقية للدولة إلى أقل من 25%، بعدما كانت تقارب 50%. ويخلص التقرير إلى أن استمرار هذا النموذج يحول أموال الخزينة العامة إلى مصالح خاصة، من خلال استنزاف إيرادات الدولة والإضرار بحقوق المستهلكين، بدلاً من توظيف موارد القطاع العام لتوسيع الخدمات الشرعية وتعزيز حضورها.

خطة إصلاحية بمراحل زمنية محددة:

ترتكز الرؤية الإصلاحية التي يتضمنها تقرير ديوان المحاسبة رقم 2026/5 على مسار زمني وإجرائي يهدف إلى وقف الهدر، واستعادة سيطرة الدولة على قطاع الاتصالات، وإعادة تنظيم العلاقة مع القطاع الخاص ضمن أطر قانونية واضحة. وتتمثل الأولوية في تطبيق القسم الرابع من المرسوم رقم 9458/2022، عبر المباشرة بضبط جميع الشبكات المخالفة المصرح عنها وتلك التي أحصتها الأجهزة الأمنية. ويترافق ذلك مع إلزام وزارة الاتصالات وهيئة "أوجيرو" بتنفيذ 48 أمر أشغال معلقاً لربط الشبكات المضبوطة بالمنظومة الشرعية، وتفعيل خدمة "Bitstream" بالكامل، باعتبارها بديلاً تقنياً يضمن استمرارية الخدمة للمواطنين.

وفي إطار معالجة المخالفات، أوصى التقرير بالوقف الفوري لتسليم الخطوط التأجيرية المحلية (NLL) لمكونات السوق غير الشرعي، ونقل قاعدة بيانات المشتركين بالكامل إلى عهدة الوزارة، مع تحديد مهلة لا تتجاوز 90 يوماً لربط وتسوية أوضاع 35 ألف مشترك غير قانوني ضمن النطاق الجغرافي لسنترالات الدولة العشرة المجهزة أساساً بالألياف الضوئية. أما على المدى القصير والمتوسط، أي خلال فترة تتراوح بين ثلاثة و18 شهراً، فتركز التوصيات على إنهاء الفوضى التشغيلية ومكافحة الاحتكار، من خلال إلغاء دور وسيط الربط غير المرخص (Collector) وتسوية الأوضاع القانونية للموزعين الفرعيين (Resellers). إجرائياً، منح التقرير الإدارة مهلة 180 يوماً للبت في 140 طلباً عالقاً مقدماً من شركات القطاع الخاص لتمديد الألياف الضوئية، مع فرض آلية رقابة متبادلة تقوم على إصدار تقرير متابعة فصلي مشترك يرفع إلى ديوان المحاسبة. كما دعا إلى وضع فصل إداري واضح ومكتوب يحدد بدقة الصلاحيات التنفيذية المتبقية للوزارة والصلاحيات الرقابية العائدة إلى الهيئة المنظمة، بالتوازي مع المباشرة في تحصيل الرسوم المالية الفائتة واستردادها منذ نشر القرار التطبيقي رقم 544/1/2023.

وعلى المدى البعيد، وصولاً إلى عام 2031، تتمحور الاستراتيجية حول التوفيق بين إنفاذ القانون وتطوير البنية التحتية. فقد أوصى الديوان باستكمال مشاريع الألياف الضوئية (FTTH) والجيل الرابع (LTE) لتوفير بديل شرعي متكامل، شرط أن يسير التطوير بالتوازي مع تطبيق القوانين، لا أن يحل محلها أو يستخدم ذريعة لتأجيل تنفيذها. وتهدف هذه الرؤية إلى إخضاع جميع شركات تزويد الإنترنت (ISP/DSP) لهيكل الرسوم الموحد الذي تعتمده الدولة، بما يضمن استقطاب أكثر من مليون مشترك غير شرعي ونقلهم إلى المنظومة القانونية قبل حلول عام 2031. ختاماً، يؤكد التقرير استمرار المسار القضائي من خلال إبقاء الملف المحال إلى النيابة العامة المالية قائماً، لملاحقة مشغلي الشبكات الذين لم تستكمل إجراءات ضبطهم، وضمان إنزال العقوبات القانونية بالجهات المتعدية على المال العام، ومصادرة التجهيزات المخالفة لمصلحة الخزينة.

شارك الخبر: