لبنان
سياسة

لبنان: هوية وطنية جامعة، حياد، ولا مركزية لاستعادة المبادئ التأسيسية

النهار١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٥٢ ص0 مشاهدة
لبنان: هوية وطنية جامعة، حياد، ولا مركزية لاستعادة المبادئ التأسيسية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "لبنان: وطن واحد سيّد، ذو هويّات متعدّدة الحياد واللامركزية واستعادة المبادئ التأسيسية للميثاق الوطني اللبناني" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم يُصمم لبنان قط ليكون مسرحًا للصراعات الإقليمية، أو امتدادًا لأطماع القوى الخارجية ومشاريعها السياسية، أو وطنًا تفرض فيه جماعةٌ على سائر الجماعات هويتها أو عقيدتها أو تفسيرها الخاص للتاريخ. بل قام ليكون وطنًا سيّدًا ومستقلاً، يجمع تحت سقفه ثقافات متعدّدة وتقاليد دينية ولغات وهويات تاريخية مختلفة. هذه التعددية هي جوهر خصوصيته الوطنية، لا ذريعة للصراعات السياسية والتدخلات الخارجية.

لم يكن الميثاق الوطني لعام 1943 مجرد اتفاق على توزيع المسؤوليات والمناصب السياسية بين الطوائف اللبنانية، بل كان في جوهره تفاهمًا وطنيًا هدفه صون استقلال لبنان. تم ذلك عبر التزام متبادل بألّا تستقوي أي جماعة بالخارج لفرض إرادتها على الجماعات الأخرى، وألّا تسعى أي جماعة إلى تذويب سيادة لبنان ضمن مشروع سياسي إقليمي أوسع. هذا ما أرست الأسس السياسية لمبدأ الحياد الذي يحمي الوطن من الارتهان للمحاور والصراعات الخارجية.

الحياد ليس مفهومًا جديدًا على اللبنانيين، بل هو مبدأ تأسيسي متجذر في فلسفة الميثاق الوطني. يتطلب استعادة معناه الأصلي وتفعيله، انطلاقًا من أن إقامة العلاقات الدبلوماسية والثقافية والاقتصادية مع دول الجوار والعالم لا تعني بالضرورة الانخراط في صراعاتها أو الخضوع لاستراتيجياتها السياسية والعسكرية.

إلا أن التطورات السياسية المتعاقبة، والتدخلات الخارجية، وتعَاظُم نفوذ التنظيمات المسلحة، أدت تدريجيًا إلى إضعاف هذا المفهوم. فيما ساهمت الحرب اللبنانية والتسويات السياسية التي أعقبتها في تكريس واقع عجزت فيه الدولة عن ممارسة سلطتها الحصرية على كامل أراضيها، وعن الإمساك بقراراتها الأمنية والسيادية بصورة مستقلة.

جاء اتفاق الطائف عام 1989، على الرغم من مساهمته في وضع الإطار السياسي لإنهاء الحرب، ليُدخل إلى الدستور تعريفًا للبنان بأنه «عربي الهوية والانتماء». وهي صيغة أرى أنها لم تُنصف التعددية التاريخية والحضارية التي يتميز بها لبنان، وتستوجب إعادة النظر فيها من خلال نقاش وطني ديمقراطي حر. خاصة وأن الاتفاق أُبرم في ظروف استثنائية طغت عليها موازين القوى العسكرية والتدخلات الخارجية التي أثرت في الحياة السياسية اللبنانية.

فلبنان ليس وطنًا لثقافة واحدة، ولا لهوية تاريخية واحدة، ولا لإرث لغوي واحد. بل هو وطن لمواطنين ينتمون ثقافيًا وحضاريًا إلى روافد متعددة، منها العربية والسريانية الآرامية والفينيقية والأرمنية وغيرها. لا يجوز أن تكون المواطنة المتساوية مشروطة بتبني أي لبناني للرواية التاريخية أو الانتماء الثقافي الذي تعتمده جماعة أخرى، مهما بلغ حجمها العددي أو نفوذها السياسي.

الهوية الوطنية للبنان يجب أن تكون لبنانية حصراً، فيما تبقى الهويات الثقافية متعددة وحرة ومتساوية في الاحترام والحماية. الوحدة الوطنية لا تُبنى بفرض التجانس الثقافي، كما أن العيش المشترك لا يمكن أن يستمر إذا تحولت رؤية جماعة واحدة للتاريخ والهوية إلى تعريف إلزامي يُفرض على سائر اللبنانيين.

ينبغي أن ينسحب هذا المبدأ على الحياة السياسية أيضًا، بحيث تتنافس الأحزاب على البرامج والمشاريع الوطنية بدلاً من التعبئة الطائفية والارتباطات الخارجية. ويشكل احتفاظ حزب الله ببنية عسكرية مستقلة عن سلطة الدولة تناقضًا جوهريًا مع مفهوم السيادة اللبنانية. لا يجوز لأي تنظيم سياسي، مهما كانت هويته الدينية أو المبررات التي يستند إليها، أن يمتلك سلطة تقرير الحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية الشرعية.

لا يستهدف هذا الموقف الطائفة الشيعية أو أي طائفة لبنانية أخرى، بل ينطلق من مبدأ أساسي مفاده أن جميع اللبنانيين يجب أن يخضعوا لسلطة دستورية واحدة، وسياسة دفاعية وطنية واحدة، ودولة واحدة لا تتقاسم سيادتها مع تنظيمات مسلحة أو قوى سياسية مرتبطة بمشاريع خارجية.

أما اللامركزية، فتشكل المكمل الداخلي الضروري للحياد. تتيح للمواطنين والمجتمعات المحلية إدارة شؤونهم الإنمائية والإدارية والاقتصادية والسياسية بقدر أكبر من الحرية والمسؤولية. مع المحافظة على وحدة الجمهورية اللبنانية وسيادتها الحصرية في مسائل الدفاع والسياسة الخارجية والضمانات الدستورية والمواطنة المتساوية، ودون السماح بتحويل الاستقلالية المحلية إلى وسيلة للهيمنة الطائفية أو التقسيم الجغرافي.

مستقبل لبنان لا يتطلب التخلي عن تنوعه، ولا اختراع رسالة وطنية جديدة. بل يستوجب استعادة استقلال قراره بعيدًا عن الهيمنة الخارجية، وتطبيق لامركزية فعلية، وتكريس حصرية السلاح والقرار الأمني بيد الدولة. والإقرار بأنه لا يحق لأي جماعة أن تفرض هويتها الدينية أو الثقافية أو السياسية على جميع اللبنانيين.

فلبنان يجب أن يبقى لبنانيًا في هويته الوطنية، تعدديًا في ثقافاته، حياديًا في توجهاته الدولية، لامركزيًا في إدارته، وسيّدًا في قراراته. لأنه وطن لجميع أبنائه على قدم المساواة، وليس ملكًا حصريًا لأي طائفة أو حزب سياسي أو قوة خارجية.

شارك الخبر: