من حولا المدمرة إلى "اللامكان": قصة تهجير ومعاناة الهوية


هذا الخبر بعنوان "مهجّرو حولا: من المكان المدمَّر إلى اللامكان المدمِّر" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن تهجير حيدر قطيش من قريته حولا الحدودية في جنوب لبنان إلى شقرا، التي لا تبعد سوى خمس دقائق، بالأمر الهيّن. بل كان أصعب من أي تهجير بعيد إلى بيروت أو غيرها من المناطق اللبنانية. يشارك حيدر في هذا المصير سبعون عائلة أخرى من حولا، هجّرها الاحتلال الإسرائيلي إلى شقرا. بالإضافة إلى سبعين عائلة نزحت من ميس الجبل وخمسين عائلة من عيترون، استضافتهم بلدة شقرا التي باتت، بفعل التوسع الإسرائيلي التدريجي، قرية حدودية جديدة.
يقول حيدر لـ"المدن": "كل يوم أتفرّج على حولا. نجتمع كلنا لمشاهدة حولا من سكننا الجديد في شقرا. في البدايات، كنا نرى منازل. لكن يومياً، يدمر الإسرائيليون بين 10 و15 بيتاً. لم نعد نرى المنازل الآن، لكني ما زلت أرى قريتي بأكملها". مع سقوط بيوت حولا، لم يعد أصحابها يتجمعون لمشاهدتها. خلال حروب الإسناد والحرب الأخيرة التي استمرت 66 يوماً، انخفض عدد المتجمعين لرؤية حولا تدريجياً، مع اختفاء معالم القرية وممتلكاتهم وشوارعهم التي شكلت ذاكرتهم المشتركة وهوية المكان.
يعيد أهالي حولا المهجرون رسم ملامح حياتهم في أماكن نزوحهم. يقطفون الزيتون في القرى التي هُجّروا إليها، ويتجمعون في "منفاهم" في شقرا للحفاظ على حس الجماعة. كما ينظمون الأنشطة التي كانت تجمعهم في حولا، مع فارق بسيط وهو عدم تمكن الأهالي من حضور هذه الأنشطة. يذكر حيدر أنه كان يشارك في تنظيم عشاء قروي، سهرات نار، دورات كرة قدم، سباقات دراجات، ونشاطات ثقافية كقراءة القرآن وإلقاء الشعر. هذا العام، أعاد الأهالي تنظيم سباق الدراجات في بيروت، وشهد مشاركة كثيفة من أبناء حولا النازحين إلى العاصمة، لكنه افتقد لأبناء قريتهم المهجرين إلى مدن وقرى أخرى.
كان حيدر يعمل في قطاع المقاولات ويمتلك مصنعاً صغيراً للمفروشات، وقد استعد لافتتاح صالة عرض واسعة قبل أن تدمر الحرب منزله وأرضه ومؤسسته. انعكس هذا الواقع على الوضع المعيشي للنازحين الذين باتوا يعانون من انعدام فرص العمل في مناطق النزوح مثل شقراء، خاصة بعد فقدانهم القدرة على استثمار أراضيهم وممتلكاتهم الزراعية التي كانت تشكل مصدر دخلهم الأساسي. يؤكد حيدر أن الفرص الاقتصادية لا تعوض التهجير، قائلاً: "الآن لو كان عملي ما زال موجوداً، لاستطعت تأمين بعضاً مما ينقصني. لكن، بسبب التهجير، ولأني ما عدت أملك أراضي أو منزلاً وعملاً، فمشاكلي تتضاعف".
يعاني المهجرون من القرى الحدودية من الفراغ والقلق وضياع الهوية. تعتبر أستاذة علم الاجتماع، رانيا مرعي، أن الروابط الاجتماعية لأبناء القرى الحدودية مهددة، مستندة إلى مفهوم "الأنوميا" أو "اللاانتماء الاجتماعي والضياع" للإيميل دوركهايم. وتشرح أن ذلك يحدث "عندما تفقد الجماعة روابطها النمطية وأطرها الجامعة. وفي حالتنا، عندما يُدمّر المكان وتتشتت الجماعة، يواجه الفرد خطر الأنوميا، لأن وعي الجماعة لذاتها يحتاج إلى طقوس ومساحات مشتركة لتغذية شعور الأفراد بالانتماء". وتضيف مرعي: "عند تدمير المكان، لا تفنى الحجارة فحسب، بل تصاب الذاكرة الجمعية بصدمة تشظٍّ، لأن المعالم التي كانت تذكّر الجماعة بوجودها وتاريخها اختفت. ومع ذلك، ينشأ رد فعل عكسي، إذ تحتفظ الجماعة بالذاكرة المكانية في مخيلتها الشفوية والرمزية وتجعل من الركام رمزاً للهوية".
تتجاوز علاقة الإنسان بقريته المدمرة الروابط الاجتماعية بين أفرادها لتشمل علاقته بالمكان المدمر نفسه. تشرح مرعي نظرية مارك أوجيه: "المكان ليس جغرافيا صامتة، بل هو نصّ مكتوب بالحجارة والروابط البشرية. وفي المقابل، هناك اللامكان، وهو الحيّز الذي جُرِّد من التاريخ والهوية والعلاقات الاجتماعية الحقيقية، وفيه يتحوّل الإنسان من مواطن أو فرد ذي قيمة وهوية إلى مجرد مستهلك، مسافر، أو حتى رقم مؤقت". وتختتم مرعي: "عند النظر إلى تدمير الأماكن في الحروب أو في عمليات التهجير القسري، نرى أن التدمير هو عملية تحويل قسري إلى اللامكان. فعندما يُهجَّر أصحاب الأرض إلى سكن مؤقت، يجدون أنفسهم مسجونين داخل اللامكان، في مناطق عابرة لا تمنحهم جذوراً ولا تعكس هويتهم. وهنا يشعر الفرد باقتلاع مزدوج، يتمثل في فقدانه مكانه الأصلي، والعيش في حيّز جغرافي عابر لا ينتمي إليه، وعندها يواجه صدمة الاغتراب المزدوج. لذا، فإن القفز فوق الركام والاستقرار عليه، ليس مجرد تمسك بالحجارة، بل هو صرخة في وجه اللانتماء، ومحاولة حاسمة لاستعادة الجذور والشعور بالوجود".
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات