لبنان على المحك: توتر داخلي واختبار لسلطة الدولة وسط تصعيد إسرائيلي


هذا الخبر بعنوان "من غاليري سمعان إلى شوارع الضاحية: الدولة أمام اختبار السلطة" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يتصاعد التوتر الداخلي في لبنان، مع تظاهرات لحزب الله في بيروت والضاحية الجنوبية، مما أعاد إلى الواجهة النقاش حول قدرة الدولة على فرض سلطتها وإنفاذ قراراتها. حادثة اعتراض دورية أمنية في منطقة غاليري سمعان، وما تبعها من تحركات لمؤيدي الحزب، وضعت المؤسسات الأمنية في موقف حرج، استدعى انتشارًا واسعًا للجيش لاحتواء الوضع ومنع تفاقمه إلى مواجهة داخلية. بالتوازي مع هذا الاحتقان، تصل زيارة فرنسية إلى بيروت تحمل قلقًا بشأن الفراغ الأمني المحتمل بعد رحيل قوات اليونيفيل، بينما تواصل إسرائيل اعتداءاتها في الجنوب. يجد لبنان نفسه أمام معادلة خطيرة تجمع بين هشاشة التوازن الداخلي واحتمالات التصعيد الخارجي، مما يستدعي استعادة الدولة لسلطتها الداخلية ومنع الانزلاق نحو مواجهة جديدة مع إسرائيل.
بدأ التوتر من منطقة غاليري سمعان، حيث تحولت مداهمة أمنية لمستودع أدوية، بناءً على إشارة قضائية، إلى حادثة ذات أبعاد سياسية وأمنية. تجمع مسلحون قالوا إنهم ينتمون لحزب الله واعترضوا عمل الدورية. سرعان ما امتدت التداعيات بخروج مسيرات لمؤيدي الحزب في بيروت والضاحية الجنوبية، مما أعاد المخاوف من استخدام الشارع كأداة ضغط سياسي، خاصة في ظل تصاعد التوتر بين الدولة والحزب حول ملف السلاح وشحنة المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر.
في بيان توضيحي، اعتبر حزب الله أن الدورية الأمنية لم تلتزم آلية التنسيق المعتمدة معه في المناطق الحساسة أمنيًا، مشيرًا إلى أن الاتصالات اللاحقة سمحت باستكمال المداهمة، ونفى علاقته بالمستودع. هذا التبرير أثار إشكالية حول خضوع تنفيذ القرارات القضائية لترتيبات مسبقة مع قوى سياسية، أم أن للمؤسسات الأمنية صلاحية التحرك وفق القانون وحده. المسألة تمس مبدأ وحدة السلطة الأمنية وتثير نقاشًا حول طبيعة العلاقة بين الأجهزة الرسمية والحزب.
زاد من تعقيد المشهد ما تردد عن صدور استنابات قضائية بحق مسؤولين في حزب الله، تحديدًا رئيس لجنة الارتباط والتنسيق حسين العبدالله ومساعده علي أيّوب، على خلفية قضية المتفجرات. إلا أن هذه المعلومات قوبلت بنفي من النائب إبراهيم الموسوي، فيما نقلت وسائل إعلام عن مصادر قضائية نفيها. في المقابل، أفاد مصدر قضائي بأن النائب العام التمييزي، القاضي أحمد رامي الحاج، سطّر استنابات للأجهزة الأمنية لتحديد هوية المسلحين الذين عرقلوا المهمة في غاليري سمعان.
سياسيًا، تكشف هذه التطورات عن حساسية أي احتكاك بين الحزب ومؤسسات الدولة، في ظل الخلاف المتصاعد بشأن حصر السلاح بيد القوى الشرعية. المواجهة لم تعد محصورة بالسجال حول القرارات الحكومية، بل طالت قدرة الأجهزة على تنفيذ مهامها وحدود تدخل القوى السياسية.
في ظل هذه الأجواء، نفذ الجيش اللبناني انتشارًا واسعًا في الضاحية الجنوبية ومحيطها، بهدف حفظ الأمن وملاحقة المطلوبين. يحمل هذا التحرك العسكري دلالة تتجاوز التدابير الميدانية، فالجيش أمام مسؤولية الحفاظ على الاستقرار الأهلي وحماية صلاحيات المؤسسات الرسمية ومنع تكريس وقائع أمنية موازية. تكمن دقة المرحلة في ضرورة الفصل بين الخلاف السياسي مع الحزب وتطبيق القانون، مع تجنب الصدام الداخلي كأولوية لحماية الاستقرار.
وسط هذا الاحتقان، تكتسب زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو والوزيرة المنتدبة لدى وزارة الجيوش أليس روفو إلى لبنان أهمية استثنائية، مع اقتراب انتهاء مهمة قوات اليونيفيل. تسعى باريس للبحث في ترتيبات الوجود الدولي بعد انتهاء المهمة وتجنب فراغ أمني بالغ الخطورة، ودعم تنفيذ الاتفاق الإطاري اللبناني الأمريكي الإسرائيلي. تواجه المساعي الفرنسية معضلة مستقبل الرقابة الدولية على الحدود، في ظل اعتراض أمريكي على تمديد صيغة اليونيفيل القائمة. غياب بديل واضح يطرح تساؤلات حول آليات مراقبة الاعتداءات وقدرة الجيش اللبناني على تولي مسؤوليات إضافية في منطقة تشهد عمليات عسكرية إسرائيلية.
ميدانيًا، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية في الجنوب، حيث سجلت تفجيرات وقصف استهدف بلدات مثل عيناثا وزوطر الشرقية وبيت ياحون، بالتزامن مع عمليات تمشيط وتحركات لآلياتها. تبقي هذه التطورات احتمالات التصعيد قائمة، في ظل استمرار التهديدات الإسرائيلية والتوترات الإقليمية. تتضاعف خطورة المشهد حين يتزامن الضغط الإسرائيلي مع التوتر الداخلي، فالدولة التي تواجه تحدي تثبيت سلطتها الأمنية في بيروت والضاحية، مطالبة بمواجهة تداعيات الاعتداءات في الجنوب والتحضير لمرحلة قد تتبدل فيها طبيعة الحضور الدولي على الحدود.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة