لبنان
سياسة

فرنسا على صفيح ساخن: "السبت الأسود" يهدد استقرار 2027 وسط أزمات متفاقمة

النهار١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٥٤ ص0 مشاهدة
فرنسا على صفيح ساخن: "السبت الأسود" يهدد استقرار 2027 وسط أزمات متفاقمة

تنويه

هذا الخبر بعنوان ""السبت الأسود" يهز فرنسا... من يكسب غضب الشارع في 2027؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بعد أحداث "السبت الأسود" التي هزت فرنسا، تتصاعد حدة المواجهة بين اليسار واليمين قبيل الانتخابات الرئاسية لعام 2027. يأتي هذا التصعيد في ظل أزمة دين عام وانقسام برلماني يلقيان بظلالهما على قدرة الرئيس القادم على الحكم بفعالية. انتشرت صور مارة يسيرون في شوارع مرسيليا تغطيها مخلفات الاحتجاجات على غلاء المعيشة في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2026، مما يعكس حالة الاضطراب التي تعيشها البلاد.

استيقظت مدن فرنسية عديدة صباح الأحد على آثار الدمار والتخريب والنهب التي خلفتها تظاهرات السبت 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026، والذي وصف بـ"السبت الأسود" بعدما طغت أعمال العنف على المطالب الاجتماعية والتربوية التي خرج مئات الآلاف للدفاع عنها. في بلد يستعد لانتخابات رئاسية بعد ستة أشهر، يبرز سؤال سياسي حساس حول المستفيد من هذه الفوضى، وقدرة الرئيس المقبل على معالجة الأزمات المتراكمة.

في باريس ومرسيليا وبوردو ومدن أخرى، تعرضت المتاجر للنهب واعتُدي على مبانٍ رسمية، بما في ذلك البلديات ومراكز الشرطة ومقار المحافظات. واجهت قوات الأمن مجموعات عنيفة تحركت على هامش المسيرات الرسمية. أعلنت السلطات عن إيقاف نحو 1800 شخص في أنحاء البلاد، بينهم 855 في منطقة باريس، وإصابة أكثر من 500 من عناصر الأمن. شارك في التظاهرات 550 ألف شخص وفق وزارة الداخلية، مقابل 800 ألف بحسب المنظمين.

انتشرت صور صادمة عبر شبكات التواصل الاجتماعي والقنوات الإخبارية، خاصة من مرسيليا، حيث اقتحم ملثمون مبنى البلدية. وفي مشاهد أخرى، تراجعت قوات مكافحة الشغب أمام حشود هاجمتهم بالحجارة والحواجز. امتدت أعمال التخريب إلى مدن أخرى، أبرزها حريق جسيم بمبنى البلدية التاريخي في ليموج، واعتداءات على مؤسسات ومتاجر في ليون وبوردو. بدأت المواجهات في بعض المناطق قبل انطلاق المسيرات الرسمية، مما كشف صعوبات السيطرة على المجموعات الخارجة عن التنظيم.

في العاصمة، طاولت الاضطرابات محيط الشانزليزيه وساحة الكونكورد. أجمع المسؤولون الفرنسيون، بمن فيهم رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو ووزير الداخلية لوران نونيز، على اتهام مجموعات من اليسار المتطرف بالمشاركة في أعمال الشغب. أكد نونيز ضرورة التمييز بين الطلاب المحتجين والعناصر المتطرفة التي استغلت التظاهرات لنشر الفوضى.

يجد زعيم حزب "فرنسا الأبية" جان لوك ميلانشون نفسه مجدداً في قلب الجدل السياسي بشأن مسؤوليته عن تأجيج التوتر. ينتقد معارضوه خطابه التصعيدي الذي يساهم في تعميق الانقسام السياسي. لا توجد أدلة تثبت أن ميلانشون وجّه أعمال العنف، لكن النقاش يتمحور حول مدى مسؤوليته السياسية عن نتائج التعبئة التي يدعو إليها.

قد تصب هذه المواجهات في مصلحة خصومه من اليمين المتطرف، الذين يجعلون استعادة الأمن والنظام محور خطابهم الانتخابي. تأتي هذه الفوضى قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية لعام 2027، وقد تدفع قسمًا من الناخبين القلقين من انعدام الأمن نحو خطاب حزب "التجمع الوطني" الذي تتزعمه مارين لوبن.

تشير استطلاعات الرأي إلى قوة حضور "التجمع الوطني"، فيما يواجه مرشحو معسكر الرئيس إيمانويل ماكرون صعوبات في الابتعاد عن حصيلة عهده. برز صعود الاشتراكي الديموقراطي رافاييل غلوكسمان، الذي فاز في الانتخابات التمهيدية لليسار الاشتراكي الديموقراطي. يعكس هذا الفوز توجهاً نحو الابتعاد عن خط ميلانشون والبحث عن بديل اشتراكي معتدل.

تجري هذه الحسابات السياسية على خلفية أزمة اقتصادية ومالية عميقة. بلغ الدين العام الفرنسي نحو 3.6 تريليونات يورو بنهاية الربع الثاني من عام 2026، أي ما يعادل 119% من الناتج المحلي الإجمالي. تتوقع الحكومة أن تصل فوائد الدين إلى 91.2 مليار يورو سنوياً في 2027. تزيد تحذيرات صندوق النقد الدولي بشأن ضرورة وضع خطة موثوقة لضبط المالية العامة من حدة النقاش.

تكمن إحدى المعضلات الأساسية في أن المواطنين اعتادوا نموذجاً اجتماعياً يوفر حماية واسعة تمولها الدولة ونظام الضمان الاجتماعي. تتطلب هذه الضمانات تمويلاً ضخماً ومتزايداً، مما يضع الحكومات المتعاقبة أمام معضلة خفض الإنفاق العام وضبط العجز والدين دون المساس بالمكتسبات الاجتماعية.

شكّل إصلاح نظام التقاعد أحد أبرز أسباب المواجهة بين ماكرون والشارع. القرار السياسي الذي يتحمل ماكرون مسؤوليته المباشرة هو حل الجمعية الوطنية عام 2024، وما أعقبه من انتخابات أدت إلى انقسام البرلمان.

قد تستمر هذه الأزمة بعد مغادرة ماكرون السلطة في أيار/مايو المقبل. حتى لو فازت مارين لوبن بالرئاسة، فقد تجد نفسها أمام برلمان منقسم يعطل تنفيذ برنامجها. تثير توجهات لوبن الاقتصادية تساؤلات جدية تتعلق بمصادر التمويل والعلاقات مع الشركاء الأوروبيين.

يكشف "السبت الأسود" عمق أزمة سياسية واجتماعية واقتصادية سترافق فرنسا إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية. البلاد منقسمة بين يسار راديكالي يرفع شعارات الاحتجاج، ويمين متطرف يركز على المخاوف الأمنية، ووسط سياسي تراجعت شعبيته. يبقى السؤال عن قدرة أي رئيس مقبل على إعادة الاستقرار، وخفض الدين والإنفاق العام، والحفاظ على دولة الرعاية الاجتماعية.

شارك الخبر: