لبنان في تامبا: مفاوضات معقدة تحت وطأة الشروط الإسرائيلية وسلاح حزب الله


هذا الخبر بعنوان "لبنان العاجز في تامبا: مفاوضات لا تسحب إسرائيل.. ولا السلاح" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع انعقاد الجولة الثامنة من المفاوضات العسكرية اللبنانية-الإسرائيلية في تامبا بولاية فلوريدا الأمريكية، يجد لبنان نفسه على مفترق طرق عسكري وأمني وسياسي حرج. في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل فرض واقع ميداني جديد بالقوة في الجنوب، يبدو لبنان الرسمي عاجزاً عن التصدي لهذه التطورات، رغم الاستنفار الدبلوماسي العربي والفرنسي. الحكومة اللبنانية غير قادرة على فرض انسحاب إسرائيل من المناطق المحتلة، ولا على نزع سلاح حزب الله. وتستمر القوات الإسرائيلية في أعمالها المشبوهة، بما في ذلك استحداث طرق وتجريف وتفجير منازل في مناطق سيطرتها، مثل تلة يحمر الشقيف ونهر زوطر الشرقية وأرنون وزوطر. تزامن هذا التحرك الميداني مع تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أكد فيها عدم الانسحاب من "الحزام الأمني" ما لم يُنزع سلاح حزب الله، وشكك في قدرة الحكومة اللبنانية على حسم هذا الملف. هذا الموقف يفرغ مفاوضات فلوريدا من زخمها ويجعلها مساراً شكلياً قبل الانتخابات الإسرائيلية، بينما تستغل تل أبيب المهلة لانتزاع مكاسب جغرافية وأمنية دائمة.
في خضم هذا الضغط الميداني، شهدت بيروت حركة دبلوماسية مكثفة قادها وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو والأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، إلى جانب ممثل الأمين العام للأمم المتحدة جان أرنو. تمسك لبنان الرسمي بضرورة تجديد ولاية قوات "اليونيفيل" ومنع حدوث أي فراغ أمني في الجنوب، في مواجهة توجهات دولية وإسرائيلية لإنهاء مهمتها أو استبدالها. أكدت الجامعة العربية وباريس تقديم دعم سياسي وميداني للبنان، مع مطالبة إسرائيل بالانسحاب وتطبيق القرار 1701، والسعي لتأمين شبكة أمان واستثمارات لإعادة الإعمار ودعم الجيش اللبناني. في المقابل، تتفاقم الأزمة الداخلية اللبنانية، وتبدو السلطة عاجزة عن مجاراة المطالب الدولية أو مواجهة تشدد حزب الله. عكس موقف النائب إبراهيم الموسوي نبرة عالية ضد السلطة، محذراً إياها من "الانفجار الذي بات على الحافة"، ومتهمًا المسؤولين بالخيانة والانصياع لإملاءات الخارج. كما كشفت الأجهزة الأمنية عن نفق بطول 11 متراً في بلدة الفنار المتنية، تجري تحقيقات لمعرفة ما إذا كانت له علاقة بالبنية التحتية للحزب، مما يفتح الملف الأمني على مساحات جديدة خارج نطاق الجنوب والبقاع. وبهذه التطورات، تدخل مفاوضات فلوريدا ولبنان الرسمي مكبل اليدين، غير قادر على كبح جماح إسرائيل أو احتواء سلاح حزب الله.
تكتسب الجولة المرتقبة في تامبا أهمية تتجاوز جدول أعمالها العسكري، حيث تنعقد في ظل اختلاف جوهري بين ما يريده لبنان وما تسعى إسرائيل لفرضه. فبيروت تتمسك بوقف الاعتداءات والانسحاب، بينما تتعامل تل أبيب مع وجودها العسكري كورقة ضغط لانتزاع تنازلات تتعلق بسلاح "حزب الله" والترتيبات الأمنية المستقبلية. تكمن خطورة الموقف الإسرائيلي في تحويل الانسحاب إلى مكافأة مشروطة بتنفيذ مطالب أمنية وسياسية، مما يجعل المفاوضات وسيلة لإدارة الاحتلال بدل إنهائه، خاصة مع استمرار أعمال التجريف وشق الطرق والتفجيرات التي توحي بمحاولة تثبيت بنية ميدانية تسمح بإطالة أمد السيطرة الإسرائيلية. تتضاعف حساسية هذه المعادلة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الإسرائيلية، وما قد يرافقها من تشدد في المواقف الأمنية، حيث يستطيع نتنياهو توظيف استمرار السيطرة على مناطق لبنانية في خطابه الداخلي. في موازاة ذلك، يتجدد الضغط الأمريكي لحسم ملف سلاح "حزب الله"، مما يضع الدولة أمام معادلة شديدة التعقيد: مطالبتها ببسط سلطتها الحصرية على أراضيها، في وقت تستمر فيه إسرائيل بتقويض مقومات هذه السلطة عبر الاحتلال والاعتداءات. وهنا تبرز المعضلة الأساسية، إذ إن تنفيذ الالتزامات اللبنانية يحتاج إلى بيئة أمنية وسياسية تسمح للدولة بتعزيز حضورها، فيما يؤدي استمرار التصعيد إلى إضعاف قدرتها على ذلك.
في هذا المناخ، يتمسك رئيس الجمهورية جوزاف عون بالمسار الدبلوماسي كخيار أقل كلفة، مع إقراره بأن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية يعرقل تنفيذ أهداف الدولة. وقد شدد على أن إسرائيل لم تلتزم بصيغة الإطار وأن انتهاكاتها اليومية تزيد الصعوبات أمام المؤسسات اللبنانية. لكن الرهان على الدبلوماسية يواجه اختباراً داخلياً موازياً يتعلق بقدرة السلطة على ترجمة قراراتها إلى إجراءات تنفيذية، بما في ذلك ضبط أي نشاط مسلح خارج مؤسساتها وإثبات قدرتها على تطبيق القانون دون تحول هذا المسار إلى مواجهة داخلية. تكتسب الدعوات إلى التشدد الأمني أهمية إضافية في ضوء التحقيقات المرتبطة بالنفق المكتشف في الفنار، مع التأكيد على أن تحديد طبيعة النفق والجهة المرتبطة به يبقى رهن نتائج التحقيق. في المقابل، يكشف تصعيد خطاب "حزب الله" حجم التباعد بين السلطة والحزب بشأن أولويات المرحلة، فبينما تسعى الحكومة إلى تثبيت مرجعية الدولة في القرارات الأمنية والعسكرية، يتمسك الحزب بسلاحه في مواجهة التهديدات الإسرائيلية. ويزيد هذا التناقض من صعوبة إنتاج موقف لبناني موحد يمنح المفاوضات قوة سياسية داخلية.
تعكس زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو والأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي محاولة لتوسيع هامش الحركة اللبنانية ومنع اختزال مستقبل الجنوب بالتفاهمات الأمنية الأمريكية الإسرائيلية. ترتبط الحركة الفرنسية بدعم "اليونيفيل" والجيش اللبناني، بينما يحاول التحرك العربي إعادة إدراج الاستقرار اللبناني ضمن أولويات المنطقة وربط الدعم السياسي بالمساعدة الاقتصادية وإعادة الإعمار. أكد فهمي التزام الجامعة العربية دعم مؤسسات الدولة وسيادتها، معلنًا عزمه تكثيف الاتصالات العربية والدولية. يكمن التحدي الفعلي أمام هذا التحرك في قدرته على التأثير في الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، فالمواقف الداعمة للسيادة اللبنانية تبقى محدودة النتائج ما لم تقترن بضغوط تضمن الانسحاب وتوقف الاعتداءات وتوفر الموارد اللازمة لتعزيز انتشار الجيش وإعادة الحياة إلى القرى الحدودية.
يبرز مستقبل "اليونيفيل" كأحد أكثر الملفات حساسية، حيث يتجاوز النقاش الدائر بشأن إنهاء مهمتها أو استبدالها مسألة انتشار قوات دولية، ليطاول طبيعة المرجعية التي ستتولى مراقبة الوضع الحدودي وحدود الدور الذي سيمنح للأمم المتحدة. حذر فهمي من وجود توجه قوي لإنهاء مهمة القوات الدولية، مؤكداً أن استمرارها تحت المظلة الأممية يمثل الخيار الأفضل. وأي قوة بديلة تحتاج إلى موافقة الدولة اللبنانية وإطار دولي يمنحها الشرعية والحماية. يحمل الانسحاب المحتمل تداعيات اجتماعية واقتصادية على القرى الجنوبية، فضلاً عن الأعباء الإضافية التي قد تقع على الجيش اللبناني في ظل محدودية موارده.
تبدو المشكلة اللبنانية أبعد من نتائج جولة تفاوضية واحدة. فالدولة تواجه امتحاناً مزدوجاً، يتمثل في استعادة سيادتها من الاحتلال الإسرائيلي، وتكريس احتكارها الشرعي للسلاح وقرار الحرب والسلم. ويحتاج تجاوز هذا المأزق إلى مقاربة تجمع بين الضغط الدبلوماسي لفرض الانسحاب، وتعزيز قدرات الجيش، وإنتاج تفاهم داخلي واضح بشأن مستقبل السلاح. أما استمرار التعامل مع هذه الملفات باعتبارها شروطاً متبادلة ومعلقة، فيمنح إسرائيل فرصة إضافية لتثبيت وقائعها الميدانية، ويترك السلطة اللبنانية أسيرة التناقض بين التزاماتها الخارجية وحدود قدرتها الداخلية. وهكذا، تدخل بيروت مفاوضات تامبا وهي تسعى إلى انتزاع ضمانات من خصم يوسع سيطرته على الأرض، وإثبات سلطة للدولة لا تزال موضع نزاع في الداخل.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة