الإمارات والسعودية: شراكة استراتيجية تُحصّن الخليج في وجه التحديات الإقليمية


هذا الخبر بعنوان "الإمارات والسعودية تعزّزان التنسيق: شراكة تُحصّن الخليج في زمن المخاطر" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتجاوز الشراكة الإماراتية السعودية ملف اليمن لتشمل أمن الخليج والممرات البحرية، في ظل تحديات متزايدة من إيران والحوثيين، وتأكيد على أولوية التنسيق الإقليمي والحلول السياسية. وتكتسب هذه الشراكة أهمية استراتيجية تنعكس على توازنات المنطقة وأمنها واستقرارها، حيث تمثل العلاقة الراسخة بين البلدين، بما لهما من ثقل سياسي واقتصادي وعسكري، إحدى ركائز الأمن الإقليمي، وتمنح التنسيق الخليجي وزناً إضافياً في التعامل مع الأزمات.
وقد أعادت زيارة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى أبوظبي ولقاءه الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد، الأحد، تسليط الضوء على عمق هذه الشراكة وأبعادها الإقليمية. وتبرز أهمية التنسيق بين أبوظبي والرياض في مرحلة تتداخل فيها تداعيات الحرب مع إيران، والتهديدات الحوثية، والمخاطر التي تواجه الملاحة وإمدادات الطاقة. وهي تحديات تعزز الحاجة إلى موقف خليجي وعربي متماسك، يحمي المصالح المشتركة ويمنع اتساع دائرة الاضطرابات في المنطقة.
ويؤكد المحلل السياسي السعودي والباحث في العلاقات الدولية مبارك آل عاتي، أن زيارة خالد بن سلمان تستكمل الحراك الدبلوماسي بين البلدين، وتجدد التأكيد على متانة العلاقات بين قيادتيهما. ويشدد على أن ما يجمع الإمارات والسعودية أعمق من التباينات في بعض الملفات، داعياً إلى "إعادة رص الصفوف" وتنسيق المواقف السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية. ويرى آل عاتي أن الموقف الإماراتي، إلى جانب الموقف المصري ومواقف دول صديقة، بينها باكستان وتركيا، يعزز فرص بلورة موقف إقليمي أكثر تماسكاً. ويكتسب هذا التضامن أهمية إضافية مع إعلان مصر استعدادها لتقديم الدعم الممكن للدفاع عن المملكة. ويحذر آل عاتي من احتمال اندلاع مواجهة عسكرية جديدة بين الولايات المتحدة وإيران، وما قد تحمله من تداعيات أمنية واقتصادية. ويرى أن المرحلة تتطلب تعزيز وحدة الموقف العربي وتحصين المنطقة من محاولات استغلال التباينات بين دولها.
وتتضح أهمية هذا الموقف عند النظر إلى المخاطر المحيطة بالممرات البحرية، وخصوصاً مضيق هرمز وباب المندب، حيث ترتبط حركة التجارة العالمية واستقرار أسواق النفط بأمن الملاحة. وأي اضطراب مستمر في هذين الممرين ينعكس على الاقتصادات الخليجية وتكاليف الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد الدولية. وفي هذا السياق، يعتبر الأكاديمي والخبير في الشؤون الإقليمية علي العنزي، أن ما يحصل في اليمن يمثل تهديداً للمنطقة والأمن القومي العربي بأكمله، مؤكداً أن المخاطر التي تواجه السعودية تطاول أيضاً الأمن الإماراتي والخليجي. ويربط العنزي بين الدعم الإيراني للحوثيين وتهديد الملاحة في باب المندب، بالتزامن مع إغلاق إيران مضيق هرمز، معتبراً أن هذه التحديات تستهدف حركة التجارة الدولية ومصالح دول المنطقة. ويرى أن الأجواء الإيجابية التي أحاطت بالاجتماعات الإماراتية-السعودية تعكس متانة العلاقات الأخوية بين البلدين وقيادتيهما، ضمن المنظومتين الخليجية والعربية. ويشدد العنزي على ضرورة إدراك دول المنطقة أن التهديدات مشتركة، وأن مواجهتها تستدعي انخراطاً إقليمياً أوسع في التصدي للجماعات المصنفة إرهابية والجهات الداعمة لها، بما يحفظ أمن الدول العربية واستقرارها.
في الملف اليمني، تبرز مقاربة إماراتية تجمع بين استمرار التعاون الوثيق مع السعودية وتفضيل الحلول السياسية والدبلوماسية، مع استبعاد العودة إلى التدخل العسكري المباشر. ويؤكد أستاذ العلوم السياسية الإماراتي عبدالخالق عبدالله، وجود تفاهم مهم بين أبوظبي والرياض بشأن معالجة الأزمة اليمنية، مشيراً إلى أن "الإمارات حسمت قرارها بعدم العودة عسكرياً إلى اليمن". ويوضح عبدالله أن "السعودية تمتلك القدرات والإمكانات اللازمة للدفاع عن نفسها، من دون الحاجة إلى الإمارات أو الولايات المتحدة أو أي طرف آخر"، معتبراً أن أي تضامن أو دعم أو مشاركة رمزية من جانب أبوظبي سيحظى بتقدير المملكة. وتعكس هذه المقاربة حرص الإمارات على استمرار التعاون والتضامن مع السعودية، بالتوازي مع ترجيح الخيارات السياسية والدبلوماسية في معالجة الأزمة اليمنية. فالتنسيق بين البلدين يمتد إلى مجالات متعددة، فيما يمكن لكل منهما اعتماد الأدوات التي يراها مناسبة للتعامل مع الملفات الإقليمية. ويعتبر عبدالله أن محاولات الحسم العسكري ضد الحوثيين، سواء من التحالف العربي أو الولايات المتحدة أو إسرائيل، "لم تنجح في إنهاء المعضلة اليمنية". ومن هنا، يرى أن "المسار السياسي والتفاوضي يبقى الخيار الأنسب، رغم العقبات التي يفرضها تعنت الحوثيين ورفضهم التسويات". ويدعو إلى "ترك شمال اليمن يعالج أزماته بعيداً عن التدخلات الخارجية، حتى من أقرب الدول إليه"، مع تمييزه بين أوضاع الشمال والجنوب. ويعكس موقفه قناعة بأن استمرار الانخراط العسكري الخارجي "قد يطيل أمد الأزمة، فيما تتطلب حماية استقرار المنطقة مقاربات سياسية مختلفة".
ومن واشنطن، تربط الباحثة الأميركية البارزة في شؤون الشرق الأوسط والزميلة المتميزة في مركز "ستيمسون" باربرا سلافين، بين التنسيق الإماراتي-السعودي واستقرار الأمن الإقليمي. وترى سلافين أن الانقسامات التي شهدها التحالف المناهض للحوثيين، إلى جانب تهميش الفصائل المدعومة من أبوظبي، شجعت الجماعة على توسيع سيطرتها وتصعيد هجماتها على السعودية. وعندما سُئلت عما إذا كانت طهران قد استفادت من الخلافات الخليجية، أجابت: "أعتقد أن ذلك حدث بالفعل". وتكتسب هذه القراءة أهمية في ضوء الحاجة إلى تعزيز التنسيق داخل مجلس التعاون الخليجي، وتطوير آليات التعامل مع التحديات الأمنية، من أمن المنشآت الحيوية إلى حماية الملاحة في البحر الأحمر والخليج. وتدعو سلافين إلى إعطاء الأولوية لإنهاء الحرب مع إيران، معتبرة أنها كشفت إخفاقات أميركية في الدفاع عن دول مجلس التعاون وزادت الاحتكاكات بين أعضائه. وتحذر من أن استمرار المواجهة قد يدفع الدول الخليجية إلى عقد تفاهمات منفردة مع طهران، وتنويع خياراتها الأمنية لتقليل اعتمادها على واشنطن. وبين الدعوات إلى تعزيز الردع الإقليمي والبحث عن مخارج سياسية للأزمات، تبرز أهمية الشراكة الإماراتية-السعودية بوصفها رصيداً استراتيجياً قائماً على المصالح المتبادلة والثقة والتنسيق المستمر. وهي شراكة تتيح للبلدين تعزيز التضامن الخليجي، والتعامل مع التحديات المشتركة وفق مقاربات تجمع بين حماية الأمن والاستقرار وإبقاء المسارات الديبلوماسية مفتوحة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة