المعارضة الروسية في المنفى: انقسامات وتحديات تشبه التجربة السورية


هذا الخبر بعنوان "المعارضة الروسية تذكّر بمثيلتها السورية الراحلة" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن منتدى روسيا الحرة، الذي انعقد في وارسو يومي 10 و11 تشرين الأول/أكتوبر، مجرد اجتماع للمعارضة الروسية بتياراتها المختلفة، بل بدا أقرب إلى تجمع لأنصار غاري كاسباروف، أحد أبرز وجوه المعارضة الروسية في الخارج. ووفقًا لتقرير نشره موقع votak البولوني الناطق بالروسية في 13 الجاري، تناول جلسة افتتاح المنتدى، فقد أشار الصحافي إيليا أزار إلى أن "حتى كاسباروف" ردد ما قاله في المنتديات السابقة. وأضاف أن المشاركين تحدثوا علناً عن تقسيم روسيا، وانتصار أوكرانيا، وقواعد الناتو قرب سانت بطرسبورغ، وحتى عن الإرهاب الذي ينبغي للروس ممارسته ضد نظام بوتين عبر حرب العصابات. ورأى الصحافي أن المشاركين "لا يتعجلون العودة إلى روسيا".
وصف الصحافي مشهدًا في بهو الفندق الفخم الذي استضاف المنتدى، حيث رأى معارضًا من جمهورية أودمورتيا يصفّ نسخًا من كتابه "السيكولوجيا السياسية عند بوتين" على الطاولة. وأشار إلى أن هذا الرجل هو مؤسس حركة "أودمورتيا الحرة"، التي تصنفها السلطات الروسية كحركة إرهابية.
المنتدى، الذي لم يحضره ممثل عن السلطات البولونية أو شخصيات بارزة من المعارضة في الخارج، يسلط الضوء على عجز المعارضة الروسية العاملة في الخارج عن الاجتماع في إطار سياسي مشترك، بعد أكثر من أربع سنوات ونصف السنة على الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا. فبينما يرى كاسباروف وأنصاره أن هزيمة روسيا في الحرب شرط أساسي لتغيير النظام، فإن هذا الموقف لا تتبناه جميع الشخصيات المعارضة، كما لا يوجد اتفاق على الخطوات اللازمة لتحقيق التغيير. ويكشف انعقاد الدورة الخامسة عشرة للمنتدى عن أحد خطوط الانقسام العميقة داخل المعارضة.
يستدعي هذا الواقع إلى الأذهان تجربة المعارضة السورية في سنوات حكم بشار الأسد، حيث تعددت تنظيماتها وقياداتها، وتنافست على تمثيل السوريين، واختلفت أولوياتها وعلاقاتها بالدول الداعمة، دون أن تتمكن من بناء قيادة سياسية موحدة. ورغم أن التجربتين ليستا متطابقتين، إلا أن ما يجمعهما هو صعوبة الانتقال من الاتفاق على معارضة النظام إلى الاتفاق على مشروع سياسي مشترك. فوجود خصم واحد لا يكفي لتوحيد المعارضين، كما أن تعدد التنظيمات والشخصيات لا يحولها تلقائيًا إلى قوة سياسية متماسكة.
يحتل ميخائيل خودوركوفسكي موقعًا مهمًا في مشهد المعارضة الروسية. بعد إطلاق سراحه في عام 2013، عقب نحو عشر سنوات في السجن، أصبح من أبرز الداعمين للعمل السياسي والإعلامي المناهض للكرملين. وترتبط به مبادرات سياسية، منها اللجنة الروسية المناهضة للحرب، التي تدعو إلى إنهاء الحرب على أوكرانيا وإحداث تغيير سياسي في روسيا. لكنه لم ينجح في جمع أطراف المعارضة حول مشروع واحد، حسب موقع meduza في أيار/مايو المنصرم. وتكشف هذه الحالة عن إحدى مشكلات المعارضة الروسية: فوجود شخصيات بارزة تمتلك الموارد والقدرة على إطلاق المبادرات لا يعني بالضرورة استعداد بقية الأطراف للانضواء تحت قيادتها. وقد يتحول تعدد مراكز النفوذ، بدلًا من أن يكون مصدر قوة، إلى عامل يعرقل بناء جبهة سياسية قادرة على مخاطبة الروس في الداخل والخارج.
في حزيران/يونيو 2026، أطلق المعارض الروسي إيليا ياشين حزب "روسيا السلمية" (Peaceful Russia) خلال مؤتمر تأسيسي في برلين، وانتُخب رئيسًا له. تكمن أهمية هذه المبادرة في سعيها لنقل المعارضة من مستوى الشخصيات والمنابر المتفرقة إلى تنظيم سياسي له برنامج وهيكل وقيادة وآليات لاتخاذ القرار. أعلن ياشين أن هدف الحزب هو الوصول إلى السلطة في روسيا، مؤكدًا أن تأسيسه في الخارج لا يجعله حزبًا خاصًا بالمهاجرين، بذلك يطرح مشروعًا يتجاوز الاحتجاج على بوتين إلى محاولة بناء بديل سياسي منظم. لكن الحزب الجديد لا يمثل المعارضة الروسية كلها، ولا ينهي الانقسامات القائمة بين شخصياتها ومؤسساتها، حسب موقع الخدمة الروسية في دويتشه فيله DW الألمانية في الشهر المذكور.
كان أليكسي نافالني، الذي "توفي" في السجن عام 2024، أحد أبرز وجوه المعارضة الروسية، بفضل قدرته على الجمع بين التحقيقات الاستقصائية في فساد النخبة الحاكمة، والنشاط السياسي، والتواصل مع جمهور واسع داخل البلاد. وقد ترك "مقتله" فراغًا لم تتمكن المعارضة من ملئه، على الرغم من استمرار المؤسسات التي أسسها وفريقه في العمل من الخارج. ويبقى الحضور السياسي لزوجته يوليا نافالنايا محدودًا، رغم توليها مواصلة النشاط السياسي باسم إرثه. أما "صندوق مكافحة الفساد"، الذي أسسه نافالني، فما زال ينتج تحقيقات ومواد مناهضة للكرملين، لكن بروز دوره السياسي والإعلامي لم يعد كما كان في المرحلة التي كان فيها مؤسسه يقود الحركة.
قال المستعرب البارز والباحث في مركز تابع للمعارض خودوركوفسكي، رسلان سليمانوف، لـ"المدن" إن الرجل الذي كان بإمكانه قيادة المعارضة الروسية، أليكسي نافالني، قُتل قبل عامين في السجن. وأكد أن الكرملين يعمل ما بوسعه لإفشال المعارضة، لكن المشكلة، برأيه، تكمن في المعارضة نفسها، إذ إنها عاجزة عن تنظيم نفسها، وعن تشكيل منافس بديل لنظام بوتين. ورأى أن تأثير معارضة الخارج على العمليات داخل روسيا هو "في حده الأدنى". وذلك لأن أولئك الذين يعارضون الحرب علانية ما زالوا بالفعل داخل روسيا، وهذا أمر في غاية الخطورة، وقد انتهى المطاف بالعديد من هؤلاء السياسيين في السجن، بينما اضطر آخرون إلى مغادرة البلاد. وفي هذا الصدد، يمكن القول إن دعم المعارضين في الخارج يشكل خطرًا على من هم داخل روسيا، لأن السلطات الروسية صنفت تقريبًا جميع النشطاء المعارضين في الخارج كإرهابيين ومتطرفين، ولذلك فإن أي دعم لهم قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على الموجودين داخل روسيا.
لا تفتقر المعارضة الروسية إلى الشخصيات أو المبادرات، بل تواجه صعوبة في جمعها ضمن تصور سياسي مشترك. فمنتدى روسيا الحرة يمثل اتجاهًا يربط معارضة بوتين بالدعم الصريح لانتصار أوكرانيا، وخودوركوفسكي يواصل نشاطه من خلال مؤسساته ومبادراته، فيما يحاول ياشين إنشاء حزب سياسي، وتواصل نافالنايا وفريق نافالني العمل من خلال إطار مستقل. ولا يعني تعدد هذه الأطر أن الحل يكمن بالضرورة في دمجها جميعًا في تنظيم واحد. فالتعددية السياسية أمر طبيعي، وقد تكون الخلافات بين المعارضين مشروعة ومتوقعة. لكن المشكلة تظهر عندما يصبح التنافس بين الشخصيات والمؤسسات عائقًا أمام التعاون، وعندما يتعذر الاتفاق على حد أدنى من الأهداف المشتركة.
تواجه المعارضة الموجودة في الخارج تحديًا إضافيًا يتمثل في صعوبة الحفاظ على صلتها بالمجتمع الروسي، في ظل القمع الذي يحد من قدرة المعارضين على التنظيم والعمل العلني داخل البلاد. كما أن العمل في المنفى يضعف قدرة هذه التنظيمات على اختبار حجم تأييدها الفعلي، ويجعل مسألة تمثيل الروس المقيمين داخل البلاد سؤالًا دائمًا.
تظل تجربة المعارضة السورية حاضرة في خلفية هذا المشهد، لا باعتبارها مصيرًا محتومًا للمعارضة الروسية، بل بوصفها تذكيرًا بأن تعدد الفصائل والقيادات، في غياب آليات فعالة للتنسيق، قد يبدد فرص بناء بديل سياسي مشترك. فالمعارضة لا تصبح قوة موحدة لمجرد اتفاق أطرافها على رفض النظام، كما أن كثرة المبادرات لا تعني بالضرورة أنها تقربها من تحقيق أهدافها. ويبقى السؤال الذي تطرحه الحالة الروسية: هل تستطيع الشخصيات والتنظيمات المعارضة تجاوز تنافسها، والاتفاق على برنامج مشترك يحدد شكل روسيا التي تريدها بعد بوتين، أم أن تعدد مراكزها سيظل عائقًا أمام تقديم بديل سياسي قادر على مخاطبة المجتمع الروسي؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة